رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خريف العمالقة... فى آبار الغاز المحترقة

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الهجوم الأمريكى – الإسرائيلى المشترك على إيران فى مطلع مارس 2026، لم يكن المشهد مجرد افتتاح فصل جديد فى كتاب الصراعات التقليدية، بل كان أقرب إلى تمزق فى نسيج العالم ذاته، كأن التاريخ قد قرر فجأة أن يغيِّر لغته، وأن يستبدل مفردات «الردع» و«الضربة المحدودة» بقاموس أكثر قسوة وعمقاً، قاموس يمكن أن نطلق عليه – دون مبالغة – «جيوبوليتيكا الاحتراق الشامل»، حيث تتحول الطاقة من مورد اقتصادى إلى سلاح وجودى، ومن سلعة فى الأسواق إلى مفتاح يتحكم فى نبض الحضارة، وحيث يصبح الاقتصاد ذاته ميدان قتال، تُستهدف فيه الشرايين لا الأطراف، وتُخنق فيه الأمم لا بالجيوش فقط، بل بتعطيل تدفق الحياة فيها. وحين تبلغ المعادلة هذا الحد، لا يعود السؤال هو: من يربح؟ بل: من ينجو من الحريق؟ إذ تتحول الحرب إلى نار شاملة تأكل الجميع، حتى من أشعلها وظن أنه يملك زمامها، وحتى من توهم أنه قادر على الإمساك بـ«شرايين النفط» فى عالم يكفى فيه إغلاق مضيق واحد ليختنق الكوكب بأسره.

بدأت الضربة الأولى كأنها كتابة فائقة الدقة على جسد دولة؛ عملية عسكرية واستخباراتية تكاد تلامس حدود الفن فى قسوتها، نيران محسوبة، وتكنولوجيا بدت وكأنها خرجت من رحم «التكنولوجيا المفترسة»، تستهدف القلب لا الأطراف، والعقل لا الجسد. وحين تردد صدى اغتيال المرشد خامنئى، وتتابع سقوط الصفوف الأولى والثانية، بدا المشهد كأننا أمام «هندسة انهيار» مكتملة، لحظة يُظن فيها أن العالم قد انحنى لإرادة القوة، وأن ما جرى ليس إلا إعادة إنتاج لفكرة «الانتصار الخاطف» بصيغة أكثر تطورا، حيث يخرج المنتصر ليعلن أن خصمه قد تحول إلى ذكرى، وأن قدراته الدفاعية قد صارت أثرا بعد عين.

غير أن الحقيقة – كعادتها – كانت تتشكل فى طبقات أعمق، فى ذلك الحيز الذى لا تصل إليه الكاميرات، ولا تلتقطه عيون الذكاء الاصطناعى، ولا تُفصح عنه البيانات الرسمية. فالدول، خاصة ذات الجذور الحضارية، ليست مجرد هياكل قيادية يمكن إسقاطها، بل كائنات حية تتنفس من عمقها، وتعيد تشكيل ذاتها تحت الضغط. 

وهنا ظهرت إيران لا كدولة جريحة فحسب، بل ككيان يتقن «فن إعادة التشكل تحت النار»، فإذا به يتحول من مركز صلب إلى شبكة مرنة، ومن جسد قابل للاستهداف إلى حضور مبعثر فى الجغرافيا، فحين ظن ترامب وتابعه نتنياهو أن لحظة التشييع قد حانت، إذا بالصواريخ تنطلق من باطن الأرض، ومن مخابئ الجبال، ومن منصات متناثرة لا تعترف بمركز واحد، لتعلن أن الحرب دخلت طورا جديدا، طور «اللا تماثل الذكي»، حيث لا يكون الرد تكرارا للضربة، بل إعادة ابتكار لها، فى توقيت مختلف، ومن مكان غير متوقع، وبمنطق لا يمكن التنبؤ به.

فى تلك اللحظة انكسرت القواعد القديمة، ودخلت المنطقة فى ما يمكن تسميته بـ«سيولة الصراع»، حيث لا جبهات ثابتة، ولا خطوط تماس واضحة، ولا نهاية زمنية يمكن تصورها، بل تدفقات مستمرة من التهديد، كأن الحرب لم تعد حدثاً عابراً، بل حالة دائمة، فلم يكن الرد الإيرانى مجرد فعل عسكرى، بل كان انتقالاً واعياً إلى قلب المعادلة الكونية المتمثلة فى الطاقة. ولذلك لم تعد الصواريخ تستهدف مواقع، بل معاني؛ لم تعد تضرب منشآت، بل تضرب فكرة «الأمان النفطى» ذاتها، ذلك الوهم الذى بُنيت عليه اقتصادات بأكملها، ومع كل تهديد لممر مائى، ومع كل إشارة إلى إغلاق مضيق هرمز، كان العالم يشعر أن شرايينه تُضغط ببطء، وأن الحضارة التى اعتادت التدفق قد تواجه فجأة احتمال الاختناق.

وأغلب الظن أنه فى الأكاديميات العسكرية سيتم فيما بعد تدريس الحقيقة الأخطر، ألا وهى تداعيات: «حرب الطاقة القاتلة»، تلك التى تقول إن من يشعل النار ليفرض السيطرة قد يجد نفسه أول المحاصرين بها. فلم يكن الرد الإيرانى عسكرياً فقط، بل كان ضربة موجهة إلى مركز الحساسية العالمى. وحين استُهدف الجانب الإيرانى من حقل الشمال/ قبة الجنوب، من قبل إسرائيل، وهو أكبر خزان غاز فى العالم، ردت إيران بضرب الشق القطرى فى رأس لفان، وامتدت النيران إلى منشآت نفطية فى الإمارات والسعودية.

لم يكن ذلك تصعيداً عسكرياً فقط، بل كان زلزالاً اقتصادياً أصاب قلب النظام العالمى. فتوقّف الضخ، واشتعلت المنشآت، وشُلّت سلاسل الإمداد، وتحولت المطارات فى دول الخليج إلى ساحات انتظار لطائرات عاجزة عن الإقلاع، فى مشهد يلخص معنى «اختناق العالم».

وهنا ظهرت «ورطة ترامب» فى أوضح صورها؛ فالرجل الذى أراد النفط الرخيص وجد نفسه مهندسا لأغلى أزمة طاقة فى العصر الحديث، والرئيس الذى حلم بالسيطرة على منابع الوقود، وجد نفسه يشهد جفافها. فكان أن خرج الداخل الأمريكى غاضباً، وارتفعت كلفة الحرب، وتراجع الحلفاء، ألمانيا وفرنسا وإسبانيا والبرازيل، وظهرت واشنطن كأنها تقاتل وحدها، فى مواجهة خصم لا يقاتل وحده، بل يسنده محور دولى «روسى صينى» يرى فى هذه الحرب فرصة لإعادة تشكيل العالم.