رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ع الطاير

 دائماً نكرر أن التحول الرقمى فى مصر ليس رفاهية ولا ترفاً أو مادة للاحتفال الدعائى بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على كسر الروتين والبيروقراطية فالدولة التى أنهكت مواطنيها طويلا بالأوراق والأختام والطوابير، وفوت علينا بكرة تسعى إلى تقديم نفسها فى صورة أكثر حداثة وكفاءة عبر مشروع واسع تقوده وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تحت مظلة مصر الرقمية فى محاولة لنقل العلاقة بين المواطن والحكومة من الشباك التقليدى إلى المنصة الذكية.

والحقيقة أن الوزارة لم تعمل هذا الأمر اكتفاء برفع شعار التحول الرقمى بل دفعت خلال السنوات الماضية بخطوات ملموسة على الأرض كان أبرزها إطلاق منصة مصر الرقمية والتى أصبحت نافذة رئيسية للحصول على عدد كبير من الخدمات الحكومية إلكترونياً من خدمات التموين والمرور والتوثيق والشهر العقارى إلى بعض خدمات المحاكم والسجل التجارى وغيرها الكثير، وهذه الخطوة مهما بدت للبعض إجرائية إلا أنها تمثل فى جوهرها انتصارا على الفكرة القديمة التى كانت تربط الحصول على الخدمة بالانتظار والتعقيد والتنقل بين المكاتب فحين ينجز المواطن معاملته من خلال الموبايل الذى فى يده، فإن الدولة لا توفر بذلك الوقت فقط بل تعيد تعريف معنى الخدمة العامة نفسها.

وللعلم لم يكن ذلك ممكناً من دون عمل واستثمارات ضخمة فى البنية التحتية الرقمية وهو ما ظهر فى تقوية ورفع كفاءة الإنترنت وإنشاء مراكز بيانات حديثة وربط جهات الدولة بمنظومات رقمية أكثر كفاءة وتكاملا، ومن بين المؤشرات المهمة أيضا أن وزارة الاتصالات لم تتعامل مع الرقمنة باعتبارها مجرد شراء أجهزة أو إطلاق تطبيقات بل أدركت أن أى تحول حقيقى يحتاج إلى كوادر بشرية قادرة على تشغيله واستدامته، ولهذا جاء الاهتمام بمبادرات بناء القدرات والتى تستهدف إعداد جيل مؤهل فى مجالات الذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى والحوسبة السحابية والبرمجيات إلى جانب التوسع فى مراكز إبداع مصر الرقمية لدعم الابتكار وريادة الأعمال فى المحافظات وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل هى قلب المعركة، لأن الدولة لا تصبح رقمية لمجرد أنها وضعت خدماتها على الإنترنت بل حين تمتلك أيضاً العقول التى تصمم وتؤمن وتطور هذه المنظومة، ومع ذلك ورغم كل ما تحقق فإن الصراحة تقتضى القول إن النجاح لا يزال نسبياً وأن الطريق لم يكتمل مع كل التقدير لجهود الوزارة التى قطعت شوطاً مهماً، حيث إن كثيراً من الخدمات باتت أكثر سهولة مما كانت عليه ولكن المواطن لا يقيس التحول الرقمى بعدد المنصات التى أُطلقت بل بمدى اختفاء المعاناة من حياته اليومية ولابد من الاشارة إلى أنه لا تزال هناك فجوات تتعلق بسهولة الاستخدام والوعى الرقمى وسرعة إنجاز بعض الخدمات وربط جميع الجهات بالفاعلية المطلوبة ناهيك عن تحدى الأمن السيبرانى الذى يزداد خطورة كلما اتسع الاعتماد على التكنولوجيا، وهنا تحديدا يصبح التحول الرقمى معركة إدارة وثقافة ومتابعة لا مجرد مشروع تقنى.

ومع كل ذلك لا يجوز التقليل مما تحقق، فوجود منصة موحدة للخدمات والتوسع فى رقمنة المعاملات والاستثمار فى البنية التحتية وإدخال التكنولوجيا إلى القرى وبناء كوادر رقمية شابة كلها شواهد على أن وزارة الاتصالات لم تعد تدير ملفاً فنياً محدوداً بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل الدولة المصرية من الداخل وهذا فى حد ذاته تطور مهم.

المطلوب الآن ليس الاكتفاء بالاحتفال بما تحقق والإشادة به بل البناء عليه بجرأة أكبر، فالجمهورية الذكية لا تولد من منصة إلكترونية ولا من تطبيق جديد بل من قرار مستمر بأن تكون الخدمة حقا سهل الوصول إليها والحصول عليها وأن تكون التكنولوجيا أداة لتخفيف العبء عن المواطن لا عبئاً إضافياً عليه وأن تتحول الرقمنة من مشروعات ناجحة متفرقة إلى نمط حكم وإدارة شامل، عندها فقط يمكن القول بأن الدولة بدأت فعلاً فى مغادرة زمن البيروقراطية.