من ميادين القتال إلى أسواق الطاقة.. كيف تغيّرت قواعد الصراع؟
في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد، لم تعد الحروب تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو عدد الضربات، بل بمدى اقترابها من ركائز الاقتصاد العالمي ومصادر استقراره.
ومع تصاعد التوترات في إحدى أهم مناطق إنتاج وتصدير الطاقة عالميًا، يبرز تحول نوعي في طبيعة الصراع، يحمل تداعيات تتجاوز الإطارين الجغرافي والسياسي، لتطال عمق الاقتصاد الدولي واستقرار الأسواق. وعندما تدخل موارد النفط والغاز دائرة الاستهداف، تتحول المواجهة من نزاع إقليمي محدود إلى اختبار عالمي لقدرة الدول على احتواء أزمة تمس مختلف جوانب الحياة.
هذا التحول يفرض معادلة جديدة يتداخل فيها الأمن العسكري مع الأمن الاقتصادي بشكل غير مسبوق، ويغدو استهداف منشآت الطاقة أداة ضغط مباشرة على النظام العالمي بأسره.
تصعيد غير محسوب
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن يقود أي تصعيد غير محسوب إلى سلسلة من التداعيات المتلاحقة، تشمل اضطراب الأسواق المالية، وتعطل سلاسل الإمداد، وتأثر حركة التجارة الدولية، في وقت لم تستكمل فيه الاقتصادات الكبرى تعافيها من أزمات سابقة.
من جانبه، حذّر الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، من أن المنطقة تقترب من مرحلة بالغة الحساسية، بعد انتقال الصراع من استهداف الأهداف العسكرية التقليدية إلى تهديد مباشر لمنشآت الطاقة، مؤكدًا أن هذا التحول ينذر بأزمة تتجاوز حدود الإقليم.
وأوضح، ، أن دخول النفط والغاز في قلب الصراع يعني أن تداعيات الحرب لم تعد مقتصرة على أطرافها المباشرة، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، نظرًا لاعتماد الدول والأسواق على الطاقة كعنصر حيوي لا غنى عنه.
وأشار إلى أن استهداف منشآت غاز كبرى في إيران، بالتوازي مع تهديد مرافق الطاقة في دول الخليج، يعكس تحولًا واضحًا نحو استراتيجية “ضرب الشرايين” بدلًا من المواجهة المباشرة، وهو ما يمثل تطورًا بالغ الخطورة نظرًا لتأثيره الممتد على أسعار النفط والتجارة العالمية.
ولفت إلى أن تجاوز أسعار خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل يعكس حجم القلق الدولي، في ظل مخاوف من اضطراب الإمدادات، مؤكدًا أن أي تصعيد إضافي قد ينعكس بشكل حاد على الأسواق والموانئ وشركات التأمين وقطاعي الصناعة والنقل.
تحول في قواعد الصراع
أكد يحيى أن طبيعة المواجهة شهدت تغيرًا جذريًا، إذ لم تعد الضربات العسكرية محكومة فقط بحسابات الردع التقليدية، بل باتت تستهدف مراكز الثقل الحيوية، وعلى رأسها قطاع الطاقة، بما يوسع نطاق التأثير ليشمل الاقتصاد العالمي بأسره.
ثلاثة مسارات محتملة
رجّح الخبير ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الأزمة:
الأول، تصعيد محدود يعقبه احتواء، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، مع تدخل أطراف إقليمية ودولية لتهدئة التوتر.
الثاني، استنزاف ممتد عبر ضربات محدودة وتهديدات متكررة، يُبقي المنطقة تحت ضغط اقتصادي ونفسي مستمر.
أما الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في اندلاع حرب طاقة شاملة تشمل استهدافًا واسعًا للبنية التحتية وتعطيل الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بما يحول الأزمة إلى صراع عالمي كامل الأبعاد.
وفيما يتعلق بالقواعد الأمريكية في الخليج، استبعد سيناريو الانسحاب المفاجئ، لكنه أشار إلى احتمال إعادة تقييم دور هذا الوجود، خاصة إذا لم ينجح في منع وصول التهديدات إلى العمق الاستراتيجي.
وأوضح أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة صياغة هذا الدور ليظل دفاعيًا بالأساس، دون الانخراط في عمليات هجومية قد تستدعي ردودًا مباشرة.
دور مصري محوري
سلّط الضوء على أهمية التحركات الإقليمية، خاصة الاجتماعات التشاورية التي تستضيفها الرياض بمشاركة قوى إقليمية، معتبرًا أنها تعكس إدراكًا متزايدًا لحساسية المرحلة.
وأشار إلى أن مصر تمتلك موقعًا محوريًا في جهود التهدئة، بفضل قدرتها على تحقيق توازن بين الأبعاد السياسية والأمنية، فضلًا عن ارتباط أمن الخليج باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس، ما يمنحها دورًا مؤثرًا في احتواء التصعيد.
الحل ضرورة لا خيار
واختتم بالتأكيد على أن العالم لا يحتمل اندلاع حرب مفتوحة على موارد الطاقة، مشددًا على أن الحل لن يكون عسكريًا فقط، بل عبر مسار يركز على تحييد منشآت الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، وفتح قنوات تفاوض غير معلنة، إلى جانب معالجة الملفات المعقدة وإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي.
وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم التصعيد، بل في الاقتراب من نقطة اللاعودة، حيث تصبح كلفة استمرار المواجهة أعلى من قدرة جميع الأطراف على التحمل.
ويرى أن العالم لم يصل بعد إلى حافة الهاوية، لكنه بات قريبًا منها بشكل مقلق، محذرًا من أن إشعال جبهة الطاقة قد يحول أي صراع إقليمي إلى أزمة عالمية شاملة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها، في ظل واقع أصبح فيه أمن الطاقة مرادفًا لأمن العالم بأسره.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض