رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد مناوشات صاروخية أو صراع نفوذ تقليدي بين طهران وتل أبيب، بل انتقل فجأة إلى منطقة المحرمات الدولية مع تصاعد الحديث عن تأمين مخازن اليورانيوم الإيرانية، فهذا الملف الذي يصفه الخبراء اليوم بالخط الأحمر الأخير، لم يعد مجرد تفصيل عسكري، بل تحول إلى فتيل قد يفجر المنطقة برمتها إذا ما قررت واشنطن، بدفع من عقيدة ترامب العسكرية المتجددة في تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، حيث إن هذا القلق العالمي الذي نلمسه اليوم ليس نابعاً من قدرة إيران العسكرية فقط، بل من جغرافيا الرعب التي رسمتها طهران لمخزونها النووي، فاليورانيوم المخصب ليس قابعاً في مستودعات عادية، بل هو مدفون في أحشاء الجبال وتحت مئات الأمتار من الصخور والخرسانة، ومحاط بمنظومات دفاعية روسية متطورة.

وهنا تكمن المعضلة فأي محاولة للوصول إلى هذه الأصول النووية لا تعني مواجهة عسكرية فقط، بل تهدد بكارثة بيئية وإشعاعية قد تحول مساحات شاسعة من الخليج والعراق إلى مناطق منكوبة، وهو ثمن باهظ يجعل حتى القوات الخاصة الأكثر احترافاً في العالم تتردد ألف مرة قبل الإقدام على هذه الخطوة، وهنا أيضاً تبرز المعضلة الكبرى في عنصر المفاجأة الذي يتبناه دونالد ترامب، فالعالم اليوم لا يخشى فقط القوة العسكرية الأمريكية، بل يخشى عدم القدرة على التنبؤ بخطوة الرئيس القادمة، فترامب الذي يرفض الالتزام بقواعد الدبلوماسية الكلاسيكية، قد يقلب الطاولة في لحظة لا يتوقعها أحد، سواء بضربة استباقية خاطفة تكسر جمود الحسابات أو بصفقة كبرى تُنتزع تحت تهديد التدمير الشامل، وهذا الغموض الاستراتيجي هو ما يجعل طهران اليوم في حالة استنفار غير مسبوق، فهي تواجه خصماً لا يتحرك وفق المنطق العسكري التقليدي، بل يعتمد على صدمة المفاجأة لإجبار الخصم على التراجع أو الانهيار.

وعلى الجانب الآخر من المشهد تقف أسواق الطاقة العالمية كرهينة لهذا الصراع، فإيران تدرك تماماً أن سلاحها الأقوى ليس الصاروخ، بل هو خنق مضيق هرمز، وأي اقتراب من مخازنها النووية سيعقبه فوراً انفجار في أسعار النفط قد يتجاوز حاجز 150 دولاراً للبرميل، مما سيؤدي إلى زلزال اقتصادي يضرب عواصم الغرب قبل الشرق، حيث ان هذا الترابط الانتحاري بين الأمن النووي وأمن الطاقة هو ما يجعل خيارات الحسم العسكري تبدو مستحيلة أو على الأقل انتحارية في توقيتها الحالي.

فنحن اليوم أمام سيناريوهات معقدة فإما ضربة جراحية مشكوك في نتائجها، أو محاولة استخباراتية لنقل المخزونات تتطلب معجزة تقنية، أو العودة لسياسة حافة الهاوية بانتظار صفقة يفرضها الواقع الاقتصادي المنهار، وبغض النظر عن المسار الذي سيختاره البيت الأبيض، تبقى الحقيقة الثابتة وهو أن اليورانيوم الإيراني أصبح اليوم أخطر ورقة في العالم، وأي خطأ في تقدير المسافة الفاصلة عن هذا الخط الأحمر قد يغير وجه المنطقة والعالم لعقود طويلة قادمة.

ونحن وسط هذا الغبار العسكري الكثيف، تأتي زيارة الرئيس السيسي للإمارات وقطر في مارس 2026 كخطوة لإعادة تموضع محسوبة بدقة في لحظة إقليمية فارقة، وقراءة مصرية عميقة لمنطق التحالفات حيث تتحرك القاهرة لتكريس حقيقة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ممارسةً ما يمكن تسميته بالردع الناعم، وهي رسالة واضحة لطهران بأن أي اختراق لأمن الخليج سيواجه بحد أدنى من التضامن الرسمي المصري، الذي يمنح الدول الخليجية مساحة للتحرك التفاوضي من موقف قوة لا ضعف، هذا الدور يمنع عزل قضايا الخليج عن الملفات العربية المشتعلة في اليمن وسوريا وليبيا، ويمنح القاهرة فيتو سياسي ناعم، على أي ترتيبات إقليمية مستقبلية لا تراعي مصالحها الاستراتيجية، لذا تأتي هذه التحركات لتنقل خط الدفاع الأول خارج الحدود، مقدمة غطاءً سياسياً وثقلاً استراتيجياً كبديل للتورط العسكري المباشر، وهو جوهر عقيدة التأثير دون التورط، التي تحمي الجيش من الاستنزاف في توقيت اقتصادي حساس.

وبينما يحبس العالم أنفاسه انتظاراً لما ستسفر عنه الأيام القادمة في مخازن الجبال الإيرانية، تظل القاهرة هي الفاعل الأكثر توازناً، والقادر على إدارة هذا التعقيد لضمان بقائها لاعباً ذكياً يدير التوازنات، لا طرفاً منخرطاً في صراعات مباشرة لا تخدم سوى القوى الطامعة، وهنا يبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على طاولة الأحداث:
هل تلجأ واشنطن لصدمة المفاجأة لإجبار إيران على الانهيار، أم أن تعقيدات مخازن الجبال ستفرض واقعاً مختلفاً؟