رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا ينقطع الجدل في الأوساط السياسية حول وجود أثرياء يمولون النشاط الحزبي أو الأهلي، لاسيما إذا ارتبطت هذه الإسهامات المالية بالحصول على مناصب تقربهم من دائرة صنع القرار الحزبي أو الحكومي، وهو ما تصفه الفئات الأقل حظا أحيانا او حتى الأوساط الصحفية بظاهرة "شراء المقاعد".

إن أغلب أبناء الطبقة الأعلى ماليا برغم أهميتهم في اختبار دائم، أولا حول مدى اختلاط مصالحهم الخاصة بالمصلحة العامة، وثانيا حول طبيعة مصداقية إنتمائتهم المؤسسية، اذ يثور التساؤل كثيرا بين كون الانتماء مجرد استثمار سياسي طارئ أم مسؤولية وطنية عضوية مستمرة تمر بمراحل نضجها الطبيعي.

العنوان الذي بدأت به ليس من وحي الخيال، بل هي عبارة وجهها زعيم الأمة سعد زغلول للإقطاعي المصري المعروف علي شعراوي إبان وجودهما في باريس خلال مفاوضات الصلح عام 1920.

وللإمانة، فإن هذه العبارة التي أنهت دور شعراوي داخل هيئة الوفد، سبقتها محطات من الخلاف حول المنهج التفاوضي بين سعد بثقله الشعبي وكبار الملاك الذين كانوا يعتبرون أن الثورة لايجب أن تضعهم في صدام واسع مع الإنجليز.

القصة ببساطة أن سعدا شرع في شن حملة دعائية كبرى للقضية المصرية في أوروبا، فدفع لصحفي فرنسي مبلغا بسيطا مقابل النشر، فاعترض شعراوي معتبرا ذلك عدم حرص كفاية، فما كان من سعد إلا أن واجهه بطلقة قاذف قائلا له "إن مالك هو سبب اشتراكك في هيئة الوفد"، خاصة وأن مواقف شعراوي لم تكن تتسق مع الروح الثورية التي تبناها سعد آنذاك.

كان سعد في هذا الموقف برغم الخلاف، يفرق بوضوح بين أهمية رأس المال في دعم العمل الشعبي والوطني، وبين نفوذ هذا المال في رقابة قراره وتحركه السياسي، ما فعل سعد في هذا الموقف لم يكن بتجرد الا قاعدة عبرت عنها العديد من التشريعات في العالم بعدئذ.

ومع ضعف الوضع المالي للاحزاب المصرية اليوم، نجد انفسنا دائما في رحلة جدل مستمرة، اذ كيف نعزز من اسهامات الاثرياء المالية في الحياة العامة والحزبية، و في نفس الوقت تحد من دائرة النفوذ المالي لها وتمنع هيمنتها على صناعة القرار أوالتشريع بأنواعه، وكلاهما امر منطقي بشدة ومهم لمصلحة الأوطان.

وللاسف ما يوسع من دائرة الجدل بشكل عام هو غياب الأطر التي تنظم مساهمة رأس المال في الكيانات المدنية عامة، والاحزاب خاصة، بشكل يسيء الظن بالمال الوطني ويحوله إلى "مال مشروط" يفسد الحياة الحزبية في أحيانا ويخلق طبقة من المرتزقة السياسية تدافع عنه وعن مصالحه في أحيان أخرى.

ولسنا وحدنا كبلد الذي نعاني من تلك الظاهرة سواء داخل الاحزاب أو في الحيز العام، حتى وإن أصبح الامر ملحوظا أكثر في الانتخابات البرلمانية، لذلك فإن التشريع المصري يجب ان يلعب دورا أخيرا محل الجدل ويبني قواعد اكثر اتساقا مع الحالة الوطنية بوقائعها وظواهرها.

ولتحقيق هذا التوازن في إنجلترا مثلا رغم وجود حزب يساري في الحكم، لا يضع القانون المنظم سقفا للمبالغ المالية المتبرع بها من كبار الأثرياء ولا يمنعون كذلك في تحقيق الثراء أكثر وأكثر،  لكنها تفرض ألية حزبية للإفصاح الفوري عن أي تبرع كبير عبر مفوضية الانتخابات المستقلة مثلا.

وهنا تلعب الصحافة والرأي العام دور الرقيب على أي تضارب مصالح قد ينشأ بين الممول أو المتبرع والسياسات الحزبية.

وتدلنا الرؤية التشريعية الناضجة على ثلاث ركائز هامة في هذا حلحلة هذا الإشكال، الأولى وجود هيئة مستقلة ماليا تشرف على التمويلات الحزبية دون الحق في التدخل في شؤون الحزب أو أنشطته، لضمان استقلال القرار الداخلي.

وثانيا وجود تبرعات مرنة، لكنها تضمن عدم ارتهان الحزب لممول واحد، إذ تشجع القاعدة العريضة من المتبرعين الصغار عبر نظام الحوافز الضريبية.

ثالثا، هو الفصل بين التمويل والإدارة، بوضع نصوص تمنع كبار الممولين الحزبيين من تولي مناصب تشريعية ترتبط بقطاعات استثمارهم المباشرة لفترة زمنية محددة تقدر مثلا بخمس سنوات لضمان نزاهة التشريع.

فصاحب شركة العقارات لايدخل لجنة الإسكان في البرلمان على سبيل المثال، منعا لشبهة تضارب المصالح مثلا.

إن تشجيع المشرع الوطني  لرؤوس الأموال على تحقيق دورها الوطني يعد عملا أساسيا، لكن وجود حوكمة مستقلة تضع ضوابط فاصلة تحمي العمل العام من الانزلاق نحو "الأوليغارشية" أو سيطرة رأس المال على المؤسسات الحزبية والتشريعية اكثر ضرورة، فإذا كان المال عصب الحياة السياسية ، فإن الشفافية هي قلبها النابض، وكلاهما وجهان لنفس العملة التي لاغنى عنها لمؤسساتنا الوطنية و الحزبية.