رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

ليس الحب كما نظن، يا صديقي. بل إن أخطر ما فيه أنه يبدو صادقًا وهو يخدعنا. كثيرٌ مما نسميه حبًا ليس سوى اندفاعٍ، تعلّقٍ، خوفٍ من الوحدة، أو محاولة لملء فراغٍ تركه شيء آخر فينا. نُسقِط على الآخر ما ينقصنا، فنظن أننا أحببناه، بينما الحقيقة أننا أحببنا الصورة التي رسمناها لا الشخص نفسه. هنا، يا عزيزي القارئ، تبدأ الفلسفة في كشف الوهم: هل ما نشعر به حب... أم ردّ فعل؟ هل نحب بوعيٍ كامل أم بانفعالٍ يُشبه العمى العاطفي؟
الحب، كما تراه الفلسفة، ليس شعورًا يفاجئ الإنسان من الخارج، بل فعل وعي ينشأ من الداخل. إنه اختيار لا انجراف، رؤية لا خيال، ومساحة نُحسن فيها أن نرى الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون. أما الانفعال فهو لحظة خاطفة، قد تُربكنا وتُسحرنا، لكنه لا يصمد حين يُختبر. الانفعال يخدعنا بما يمنحنا من متعة سريعة، بينما الوعي يبحث عمّا يمنح الحقيقة، يا صديقي، وبين هاتين المسافتين يتحدّد شكل الحب الذي نعيشه.
نميل إلى الاعتقاد أن الحب يُلغي العقل، وأن أجمل العلاقات هي تلك التي تُبنى على الشعور وحده، لكن الحقيقة أن الحب من دون وعي يتحوّل سريعًا إلى استنزاف. لأنه حين لا نفهم أنفسنا، لا نفهم لماذا نحب، وحين لا نفهم الآخر، نصنع منه وهمًا ثم نلومه لأنه لم يُحقق ما تخيلناه. هنا يصبح الانفعال قيدًا خفيًا، بينما الوعي تحرّر: تحرّرًا من التوقعات، من الامتلاك، ومن تلك الرغبة القديمة في أن يتماهى الآخر مع ما نحتاجه نحن.
الحب الواعي، يا عزيزي، لا يُلغينا ولا يُذيبنا في الآخر، بل يُعيد كلّ شخص إلى ذاته أولًا. إنه علاقة يُعطي فيها الطرفان من امتلائهما لا من نقصهما. في الحب الواعي، لا يكون الآخر علاجًا ولا مسكّنًا، بل رفيقًا يُساعدك على أن ترى نفسك بوضوح أكبر. ليس لأنه يُكمل نقصك، بل لأنه يُذكّرك بأنك قادر على أن تكتمل من داخلك، وهنا يكمن المعنى العميق: الحب لا يرمّم الداخل، بل يضيئه.
وفي عالمٍ تسوده العلاقات السريعة والانجذابات المؤقتة، تصبح الفلسفة ضرورة لفهم الحب أكثر من أي وقتٍ مضى. فهي تنبّهنا إلى أنّ الشعور وحده لا يكفي، وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تشتعل بسرعة، بل التي تُبنى على وعيٍ بطيء، صادق، يميّز بين الحاجة والرغبة، بين التعلّق والحب، بين الامتلاك والحرية. الحب الواعي يسمح لك أن تمنح الآخر مساحة ليكون نفسه، لأنه لا يخاف فقدانه، يا صديقي.
الوعي لا يقتل العاطفة كما نُشيع، بل يمنحها جذورًا، ويجعل الحب أكثر عمقًا، وأكثر صدقًا، وأكثر قدرة على البقاء. الحب الواعي يعرف أن العلاقة ليست حلًا، بل رحلة، وليست ملاذًا من الذات، بل طريقًا نحو ذاتٍ أعمق. وحين يفهم الإنسان ذلك، يتغيّر كل شيء: اختياره، طريقته في العطاء، وحدود صمته وكلامه، وحتى معنى الخسارة لديه.
في النهاية، يا صديقي، ليس الحب شعورًا يقع علينا، بل فعل نختاره. انفعال الحب يولد وحده، لكن وعي الحب يُبنى ببطء. ولعلّ أخطر ما في الحب أنه قد يخدعنا ونحن نظنه الحقيقة، وأجمل ما فيه أنه حين نعيه... يُعيدنا إلى أنفسنا كما لم نكن من قبل.

بقلم/ محمد جاد الله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]