رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الغلاء يغتال فرحة "العيدين"

بوابة الوفد الإلكترونية

موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تسللت سريعاً إلى الأسواق بعد أيام من قرار رفع سعر المحروقات، فمع ارتفاع تكاليف النقل، ارتفعت أسعار السلع والملابس ومستلزمات العيد، لتجد آلاف الأسر نفسها فجأة أمام ميزانيات لا تتحمل المزيد، تفاقم الأمر مع تزامن عيد الفطر مع عيد الأم فى نفس التوقيت. 
تحولت الفرحة المنتظرة إلى عبء إضافى، آباء حائرون بين تلبية رغبة أطفالهم فى ملابس العيد، أو الاكتفاء بالضروريات، وأبناء يحاولون إرضاء أمهاتهم بهدايا رمزية بعد أن أصبحت أبسط الأشياء خارج القدرة الشرائية، وبين قرارات اقتصادية متلاحقة وارتفاعات متتالية فى الأسعار، تراجعت طقوس الفرح التى اعتادها المصريون، ليصبح تزامن العيدين هذا العام اختباراً قاسياً لقدرة الأسر على مواجهة الغلاء والحفاظ على ما تبقى من بهجة المناسبات.
اقتربنا من «فوزية»، بائعة الخضار السبعينية، فاستقبلتنا بابتسامة بدت حائرة، ابتسامة يصعب فهمها: هل هى رضا بما قسمه الله، أم محاولة لإخفاء قسوة ظروف عاشت معها سنوات طويلة.
منذ أكثر من 20 عاماً تجلس «فوزية» على الرصيف تبيع الخضار. بعد وفاة زوجها وجدت نفسها المسؤولة الوحيدة عن إعالة أسرتها، فاختارت العمل لساعات طويلة كل يوم حتى تتمكن من تربية أبنائها، تقول إنها واصلت العمل بلا توقف تقريباً حتى تمكنت من تزويج ابنتها وابنها، بينما تعيش الآن بمفردها داخل شقتها.
تقضى «فوزية» ما يقرب من 10 ساعات يومياً على الرصيف، بين تعب العمل ومشقة الوقوف لساعات طويلة. ورغم ذلك، تقول إن ما يؤلمها اليوم ليس فقط الشقاء، بل ما تغير فى حياة الناس مع موجة الغلاء الأخيرة، موضحة أن ارتفاع الأسعار أطفأ كثيراً من مظاهر الفرح التى كانت تراها فى الشوارع والبيوت مع اقتراب عيد الفطر، «زمان كانت الناس تحضر البسكوت والكحك فى البيت، والريحة تملأ الشوارع»، تقول فوزية، مضيفة أن هذه الطقوس اختفت لدى كثير من الأسر بسبب ارتفاع التكاليف، بينما القادرون فقط أصبحوا يشترونها جاهزة.
ولا تختلف الحال كثيراً مع عيد الأم، إذ تقول بابتسامة هادئة تخفى شيئاً من الحزن: «عيالى بقالهم سنين مش عارفين يرضونى بأى حاجة بسيطة... وأنا أصلاً ما بفكرش فى ده، علشان عارفة الظروف صعبة عليهم».
تقول «فوزية» إن حركة البيع لم تعد كما كانت فى السنوات الماضية، موضحة أن الزبائن أصبحوا يشترون بكميات أقل بكثير. «اللى كان بياخد كيلو بقى بياخد نص كيلو، واللى كان بياخد أنواع كتير بقى يختار صنف واحد بس».
توضح السيدة السبعينية أن الأسعار لم ترتفع فقط بالنسبة للمستهلك، بل حتى بالنسبة للباعة أنفسهم. فتكلفة نقل الخضار من سوق الجملة ارتفعت، وكذلك أسعار بعض المنتجات، ما يجعل هامش الربح أقل بكثير مما كان عليه من قبل. وتضيف: «إحنا كمان بنتأثر... لما السعر بيعلى الناس بتشترى أقل، وساعات بنرجع بضاعة كتير ما اتباعتش».
وتشير «فوزية» إلى أن التغير لا يظهر فقط فى حجم المشتريات، بل فى أجواء العيد نفسها، فطقوس كثيرة كانت تراها فى الماضى اختفت تدريجياً، تحكى أنها كانت ترى الجيران قبل سنوات يتجمعون لتحضير كحك العيد فى البيوت، بينما يلعب الأطفال فى الشوارع بملابسهم الجديدة. أما اليوم، فهذه المشاهد أصبحت أقل بكثير.
ورغم ذلك، تحاول فوزية الحفاظ على روتينها اليومى كما هو. تستيقظ مبكراً لتجهيز البضاعة، ثم تتوجه إلى مكانها المعتاد على الرصيف حيث تقضى نحو عشر ساعات يومياً. تقول إن العمل أصبح جزءاً من حياتها، حتى بعد أن كبر أبناؤها وتزوجوا.
وتؤكد أنها لا تزال تعمل ليس فقط من أجل الدخل، بل أيضاً لأنها اعتادت هذا النمط من الحياة. «القعدة فى البيت صعبة عليا»، وتضيف أنها تحمد الله على قدرتها على العمل حتى الآن.
وفى العيد، تتمنى «فوزية» أن تتحسن الأحوال قليلاً حتى يتمكن الناس من استعادة بعض مظاهر الفرح التى افتقدوها فى السنوات الأخيرة، وتقول إن البسمة الحقيقية فى مثل هذه الأيام كانت تأتى من رؤية الأطفال سعداء بملابسهم الجديدة، ومن تبادل الزيارات بين العائلات.
ذكريات
استكملنا جولتنا لنقابل علياء وحسناء جالستين على مقعدين صغيرين أمام باب منزلهما بالجيزة، تتبادلان الحديث بينما يمر بعض المارة بجوارهما، كان الحديث عفوياً فى البداية، لكنه سرعان ما أخذ طريقه إلى الذكريات، وتحديداً إلى أيام الاستعداد لعيد الفطر كما عرفتاه فى الماضى.
تقول «علياء» وهى تبتسم: «زمان كان العيد يبدأ قبلها بأيام، كنا نبدأ بشراء السمن والدقيق والسكر، وكل بيت تقريباً فى الشارع كان يستعد لعمل الكحك والبسكوت والغريبة»، ترد «حسناء» وهى تهز رأسها: «أيوه... وكان يوم الخبيز ده يوم لوحده، كأنه عيد صغير قبل العيد».
تحكى السيدتان كيف كانت العائلات تتجمع فى بيت واحد، وتبدأ النساء فى العجن والتشكيل، بينما يتولى الرجال والأولاد مهمة نقل الصاجات إلى الفرن فى نهاية الشارع، تقول «حسناء» ضاحكة: «كنا نروح بدرى علشان نلحق دورنا فى الفرن، وكل واحدة حاطة علامة على الصاج بتاعها علشان ما يتلخبطش».
وتستعيد «علياء» تفاصيل تلك اللحظات قائلة إن الأطفال كانوا يملأون المكان بالضحك والجرى، بينما تنبعث رائحة الكحك من الفرن فتنتشر فى الشارع كله، «كان فيه فرحة غريبة، وأغانى شغالة، وكل الجيران مع بعض»، تقول وهى تشير بيدها وكأنها ترى المشهد أمامها.
وتضيف «حسناء» أن التحضير لم يكن مجرد إعداد طعام، بل كان مناسبة اجتماعية تجمع العائلة والجيران. كانت السيدات يتبادلن الوصفات والنصائح، ويتنافسن أحياناً على أجمل نقش للكحك أو أفضل طعم للبسكوت. أما الأطفال فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر لحظة خروج الصاج من الفرن لتذوق أول قطعة ساخنة.
لكن مع مرور السنوات، تغيرت أشياء كثيرة. تقول «علياء» إنّ الأفران البلدية التى كانت تعج بالناس فى مثل هذه الأيام أصبحت أقل ازدحاماً، بل إن بعضها أغلق أبوابه. «دلوقتى بقى فيه أفران آلى، والناس كتير منها ما بقاش يخبز فى البيت زى زمان».
وتوضح «حسناء» أن الكحك الجاهز أصبح متاحاً فى كل مكان، سواء فى المخابز أو المحال التجارية، وهو ما جعل كثيراً من الأسر تفضل شراء الكحك والبسكوت بدلاً من صناعته فى المنزل. «بقى أسهل طبعاً... لكن الطعم والجو مش زى زمان»، تقول وهى تبتسم بحنين واضح.
إلى جانب ذلك، تشير السيدتان إلى أن ارتفاع الأسعار أصبح عائقاً حقيقياً أمام كثير من الأسر التى كانت تحرص على الحفاظ على هذه الطقوس. فتكاليف شراء المكونات الأساسية مثل الدقيق والسمن والسكر ارتفعت بشكل ملحوظ، ما جعل البعض يتخلى عن فكرة الخبيز فى المنزل من الأساس.
وتقول علياء إن كثيراً من العائلات باتت تكتفى بكميات صغيرة، أو تشترى بعض الأصناف الجاهزة إذا سمحت الظروف. «الأسعار بقت عبء حتى على الحاجات الأساسية»، تضيف وهى تنظر إلى الشارع المزدحم.
ورغم كل ذلك، تتفق السيدتان على أن ما يفتقدانه أكثر من أى شىء آخر ليس فقط الكحك أو البسكوت، بل أجواء العيد نفسها. تلك اللحظات التى كانت تجمع العائلة والجيران حول عمل بسيط لكنه ملىء بالبهجة.
وتختتم حسناء الحديث بعبارة تعبر عن هذا الشعور: «يمكن الكحك لسه موجود... لكن روح العيد اللى كانت حوالينا زمان هى اللى اختفت شوية».
معادلة مقلوبة
وفى جولة داخل أحد الأسواق الشعبية، بدت الصورة متشابهة، زبائن يقفون طويلاً أمام البضائع يقارنون الأسعار، وبعضهم يغادر دون شراء، بينما يحاول الباعة جذب المشترين بعروض بسيطة أو بتخفيضات محدودة، فى محاولة للحفاظ على حركة البيع.
يرى بعض الباعة أن تزامن عيد الفطر هذا العام مع عيد الأم كان من المفترض أن يخلق حالة من الانتعاش فى الأسواق، كما يحدث عادة فى المواسم. لكن ارتفاع الأسعار قلب المعادلة.
أحد الباعة قال إن المواسم كانت فى الماضى فرصة لتعويض فترات الركود، حيث يزيد الإقبال على شراء الملابس والطعام والحلوى. أما الآن، فمن الملاحظ أن كثيراً من الأسر أصبحت تكتفى بالضروريات فقط. ويضيف: «الناس بقت تحسب كل جنيه قبل ما تصرفه».
ولى بعد أمتار قليلة كانت «عنايات» تجلس على طرف الرصيف، ترتب الخضار بعناية كعادتها، لكن عينيها كانتا فى مكان آخر. مع اقتراب عيد الفطر، لم تعد الأيام تحمل نفس الإحساس الذى اعتادته لسنوات طويلة.
تقول بصوت هادئ: «عيالى كانوا بيحسونى بالعيد»، ثم تتوقف لحظة وكأنها تسترجع صوراً قديمة، ضحكات بناتها الثلاث، حركة البيت، وصخب الاستعدادات. كانت كل واحدة منهن تضيف شيئاً مختلفاً، واحدة تساعدها فى إعداد الطعام، وأخرى تزين البيت، وثالثة تملأ المكان بحكاياتها وضحكها.
لكن الزمن تغيّر. «بناتى التلاتة اتجوزوا فى محافظات»، تقولها بابتسامة خفيفة تخفى خلفها وحدة ثقيلة. أصبح البيت هادئاً أكثر مما ينبغى، لا أصوات، لا حركة، فقط تفاصيل صغيرة تذكرها بما كان.
تقضى عنايات يومها بين البيع والشراء، تعود فى المساء إلى شقتها، تفتح الباب على صمت اعتادت عليه، لكنه لا يصبح أخف. تحاول أن تخلق لنفسها طقوساً بسيطة، ربما إعداد شىء تحبه، أو متابعة التلفاز، لكن العيد بالنسبة لها لم يعد كما كان، ولكنها تحلم بدخول بناتها عليها مع أبنائهم يوم العيد خاصة أنه يتزامن مع عيد الأم، ورغم أنها تعلم جيداً أن هذا الحلم لن يتحقق بسبب أسعار المواصلات التى تضاعفت وحالة بناتها وأزواجهن البسيطة، إلا أنها تقول «الحلم مش عيب»، وبكرة الظروف تتحسن ويفرحونى هما وأولادهم فى العيد.