ع الطاير
حين يفكر أحدهم فى التحول الرقمى فى مصر، يتجه ذهنه تلقائياً نحو العاصمة ومدنها الكبرى، لكن ثمة سؤالاً أكثر أهمية، ماذا عن المواطن فى عمق الصحراء الغربية، الذى يقطع مسافات طويلة للحصول على ورقة رسمية أو تجديد وثيقة؟ هذا السؤال تحديداً هو ما يجعل لقاء وزير الاتصالات المهندس رأفت هندى مع محافظة الوادى الجديد حدثاً يستحق التوقف عنده، لا مجرد بروتوكول فى جدول أعمال مسئول.
المحافظات الحدودية كانت دائماً الحلقة الأضعف فى منظومة الخدمات الحكومية، ليس لأنها منسية بالضرورة، بل لأن البنية التحتية التقليدية كانت تجعل الوصول إليها مكلفاً ومعقداً، لكن التكنولوجيا بطبيعتها لا تعترف بالمسافات، وهذا بالضبط ما تراهن عليه وزارة الاتصالات حين تتجه بمشروعاتها جنوباً وغرباً.
ما يجرى فى الوادى الجديد اليوم ليس وعوداً معلقة، ثمة عمل فعلى على ربط ديوان عام المحافظة بمراكزها الإدارية المتفرقة عبر شبكة معلومات موحدة، وإنشاء منظومة إلكترونية لإدارة المكاتبات والملفات، وإتاحة قواعد بيانات مشتركة بين الإدارات المختلفة. بعبارة أبسط، الموظف فى مركز الخارجة لن يحتاج بعد الآن إلى إرسال مستندات ورقية إلى مقر المحافظة فى مدينة الخارجة، والمواطن لن يضطر للتنقل بين مبانٍ متعددة لإتمام معاملة كان يمكن حسمها بضغطة زر.
وتمتد الجهود كذلك إلى البوابة الإلكترونية للمحافظة التى يجرى تحديثها وتوسيع نطاق الخدمات المتاحة من خلالها، وهذه خطوة تبدو بسيطة لكنها فى واقع الأمر تحدث فارقاً حقيقياً فى حياة مواطن يسكن على بُعد عشرات الكيلومترات من أقرب مبنى حكومى.
ولا يقتصر الدور على الخدمات الإدارية وحدها، تسعى الوزارة إلى توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى دعم قطاع الزراعة الذى يمثل شرياناً اقتصادياً رئيسياً فى المحافظة، وهو نموذج مثير للاهتمام يجسد فكرة أن التكنولوجيا ليست هدفاً فى ذاتها بل أداة لخدمة التنمية الحقيقية حيث يحتاجها الناس فعلاً.
على صعيد بناء الإنسان، تواصل مراكز إبداع مصر الرقمية وبرامج معهد تكنولوجيا المعلومات عملها فى المحافظات، وتسعى الوزارة إلى توسيع نطاقها بما يتيح للشباب فى المناطق النائية ذات الفرص التى يجدها نظيرهم فى المدن الكبرى، وهذا جانب لا يقل أهمية عن تطوير الخدمات، لأن التحول الرقمى الحقيقى يحتاج مستخدمين قادرين على توظيفه لا مجرد بنية تحتية مُركَّبة على الأرض.
غير أن ثمة ما يجب قوله بصراحة، التحول الرقمى فى المحافظات الحدودية يظل رهيناً بحل معضلة البنية التحتية للاتصالات أولاً، لا قيمة لبوابة إلكترونية متطورة أو منظومة ربط متكاملة فى غياب إنترنت مستقر وشبكة محمول بلا بقع عمياء، وهذا هو التحدى الحقيقى الذى يجب أن تجيب عنه وزارة الاتصالات قبل أى حديث عن تحول رقمى شامل.
المشوار طويل والطموح مشروع، لكن المواطن فى أقاصى الوادى الجديد لن يحكم على التحول الرقمى بالبيانات والمشروعات المعلنة، سيحكم عليه يوم ينجز معاملته من بيته دون أن يتحرك خطوة واحدة، ذلك اليوم هو المعيار الحقيقى والوحيد لنجاح كل ما يبنى الآن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض