خارج السطر
يظل الشاعر العظيم أبوالطيب المتنبى (915-965) حياً بحكمته وعمق أفكاره، إذ يبدو بيت شعره الشهير «كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً» صاحياً ومناسباً ومعبراً عن حالة الحيرة السائدة فى النُخب المثقفة فى العالم العربى تجاه الحرب الدائرة الإيرانية الإسروأمريكية.
أراد الشاعر العظيم أن يقول لنا أن تمادى الداء جعله يرى الهلاك وحده هو الحل للهروب مما يعانى، وهو ما يعنى أن الآلام لا حدود لها، ما يدلل على عظمة الداء.
يبدو هذا الحال كبير الشبه بموقف المثقفين مما يجرى. فبمنطق العداء المفهوم والمنطقى تجاه إسرائيل بإجرامها وتوحشها وساديتها، وبحساب النفور والرفض لأمريكا نتاج هيمنتها وغطرستها وازدرائها للشعوب والأمم، فإن كثيرين يهللون لإيران على ما حققته من مقاومة باسلة، وصمود لافت، ورد مؤثر على التحالف الشرير.
لكن فى الوقت ذاته، فإن إيران تحت ذريعة الرد قصفت جيرانها العرب، وسمحت لأذرع الثأر الأعمى بأن تضرب عواصم لدول شقيقة رفضت من قبل استخدام أراضيها وحدودها فى العدوان على إيران، بل تعهدت بعضها رسمياً بذلك. ناهيك عن كون إيران نموذجاً كريهاً لدولة قمع دينى، بنظام بوليسى، خانق للحريات، قاهر للمرأة، ومعاد للمدنية وحقوق البشر.
ومُنذ اختطفت الثورة الإسلامية مقاليد الحكم فى طهران فى 1979، والدولة القائمة هناك هى القدوة والنموذج لدولة الإخوان المسلمين ولكثير من الجماعات الراديكالية المعادية للدولة المدنية. فهى دولة توسعية، تدير صراعاتها بأسس دينية بل ومذهبية، وتنشغل بتصدير الثورات وإثارة القلاقل فى الدول الأخرى. ولا يمكن أن ننسى ما فعلته فى سوريا ولبنان واليمن والعراق، وحاولت فعله فى مصر لكنها فشلت.
لقد عانت شعوبنا العربية عقوداً طويلة من غطرسة وتجبر الولايات المتحدة، ومن اعتداءات الآلة العسكرية الصهيونية، وهو ما صار داء مزمنا يوجع الجميع، وتأباه الشعوب، حتى لو سلمت به الحكومات على مضض. من هُنا صفق الناس وفرحوا وتحمسوا لكل صاروخ إيرانى يُطلق على تل أبيب، وكأنه انتصار لهم، وهذا ما يُمكن به فهم التعاطف الشعبى للمصريين مع دولة إيران.
لكن مع حق البشر فى الشماتة فى أعدائهم، خاصة لو كانوا بمستوى الشر الإسرائيلى، يجب الانتباه للتفكير بعقلانية فى حدود هذا التعاطف، بحيث لا يتجاوز ما يجرى بين إسرائيل وإيران.
فعلاقة مصر التاريخية والسياسية بدول الخليج قوية وراسخة وممتدة، كما أن مصالحها الاقتصادية ترتبط بها لا بإيران. ونحن لدينا أكثر من ستة ملايين مصرى يعملون هناك، تزيد تحويلاتهم المالية سنوياً عن 13 مليار دولار. كما أن دول الخليج تستحوذ على نحو 40% من صادرات مصر.
ولا شك أن الضربات الإيرانية الطائشة والمنفعلة لجيرانها العرب تحت ذريعة استهداف مصالح أمريكية لا يُمكن تقبلها، لأنها أثارت الفزع وبثت القلق وأضرت العباد المسالمين.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض