رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عائلات الشريعي والقاياتي وعبد الرازق وشمردن… جذور وفدية ضاربة في تاريخ المنيا

النائب الوفدي علي
النائب الوفدي علي شمردن

في قلب صعيد مصر، حيث تتشابك الذاكرة الوطنية مع تقاليد الريف العريق، برزت في شمال محافظة المنيا عائلاتٌ تركت بصمات واضحة في التاريخ السياسي والإجتماعي، وكان لها حضور مؤثر في مسيرة حزب الوفد منذ نشأته الأولى. 

 

ومن بين تلك العائلات تبرز أسماء عائلات الشريعي في سمالوط ، وشمردن في مطاي، والقاياتي في العدوة، وعبد الرازق في بني مزار؛ عائلات جمعت بين الثقل الإجتماعي والتأثير السياسي، وأسهمت في صياغة صفحات مهمة من تاريخ الحياة النيابية في مصر.

 

الشريعي… تاريخ نيابي ممتد منذ القرن التاسع عشر

تُعد عائلة الشريعي في مركز سمالوط واحدة من أعرق العائلات النيابية في مصر، إذ يعود حضورها السياسي إلى بدايات الحياة النيابية الحديثة ، فقد كان الشيخ علي الشريعي من أعضاء مجلس المشورة الذي أنشأه محمد علي باشا عام 1829 برئاسة نجله إبراهيم باشا، وهو اختيار يعكس المكانة الرفيعة للعائلة ونفوذها الممتد في أنحاء الإقليم.

 

ومع تطور الحياة البرلمانية في مصر، استمر حضور العائلة تحت قبة المجالس النيابية. ففي 28 فبراير 1924 دخل أحمد الشريعي باشا مجلس الشيوخ، لتبدأ مرحلة طويلة من التمثيل النيابي توالى فيها عدد من أبناء العائلة، مثل مراد بك الشريعي وحسين الشريعي بك، ثم علي الشريعي بعد ثورة يوليو.

 

وقد ارتبط اسم العائلة بالحركة الوفدية منذ بداياتها، إذ كان علي بك الشريعي عضواً في الهيئة العليا لحزب الوفد عام 1918 إلى جانب الزعيم سعد زغلول، كما تبرع للحزب بمبلغ ضخم بلغ مليوني جنيه في ذلك الزمن، وكُلِّف مؤقتاً برئاسة الحزب أثناء سفر سعد زغلول إلى بريطانيا للمفاوضة حول جلاء الإحتلال.

 

كما تولّى يوسف بك الشريعي رئاسة لجنة الوفد بمحافظة المنيا، وهو الذي كان يشغل أيضاً منصب رئيس النادي الأهلي، وفي انتخابات عام 1984 خاض المهندس محمد نجيب الشريعي الإنتخابات البرلمانية على رأس القائمة الوفدية لشمال المنيا، وحصل على أكثر من أربعة عشر ألف صوتاً ، قبل أن يحصل لاحقاً على حكم قضائي من المحكمة الإدارية العليا يثبت نجاحه.

 

وتعد عائلة الشريعي ، من أغنى العائلات في هذا الوقت وتمتلك آلاف الأفدنة والبيوت والمنازل والقصور العامرة، وكان نواب العائلة يتمتعون بشعبية جارفة، وحولهم إجماع كبير من الأهالي ولهم دورهم المتميز داخل البرلمانات المختلفة، وعندما حدث خلاف حول الموازنة العامة للحكومة في عهد الخديو إسماعيل عام 1873.

 

اختار المجلس ثلاثة من نوابه للتفاوض مع الحكومة كان على رأسهم النائب بديني الشريعي وأيضًا حسن عبد الرازق ، ومحمد الفرماوي ، للتوجه إلى ديوان نظاره المالية،اما النائب مراد الشريعي نجا من حكم الإعدام الذي صدر ضده لدوره في دعم ثورة 1919  والتي قادها الوفد بقيادة الزعيم سعد زغلول ، وكان مراد الشريعي وفديًا متعصبًا، وقد صدر ضده حكم بالإعدام لدوره في إشعال ثورة 1919، إلا أن الحكم لم ينفذ، وتوفى عام 1936.

 

شمردن… نفوذ الأعيان في مطاي

أما عائلة شمردن في مركز مطاي، فقد ارتبط اسمها أيضاً بتاريخ العمل السياسي في المنيا، فقد انضم علي شمردن، ابن قرية نزلة ثابت بمركز مطاي ، إلى حزب الوفد خلال قيادة فؤاد باشا سراج الدين، وانتُخب نائباً عن دائرة مطاي وسمالوط في دورتي 1984 و1987.

 

وعندما قاطع الوفد الإنتخابات لاحقاً، انتقل إلى الحزب الوطني، وظل نائباً في البرلمان حتى دورة عام 2050،  وقد عُرفت العائلة بنفوذها الإجتماعي الواسع بوصفها من أعيان المنطقة، كما لعبت دوراً مهماً في دعم الحركة الوفدية منذ عهد الزعيم مصطفى النحاس.

 

وقد شكّلت عائلات شمردن والعريان وعبد الرازق دعائم أساسية للوفد في شمال المنيا، وظلت حاضرة في المشهد النيابي لعقود طويلة، وإن كان تمثيلها السياسي قد تراجع نسبياً في السنوات الأخيرة نتيجة التحولات السياسية.

 

القاياتي… نفوذ روحي وسياسي

وفي مركز العدوة شمال المنيا ، تبرز عائلة القاياتي التي تمتد جذورها إلى قرية القايات القريبة من البهنسا وبني مزار، وقد عُرف عن هذه العائلة نفوذها الروحي والإجتماعي الكبير، إذ يقصد الآلاف موالد أوليائها وأضرحة أجدادها، كما اشتهرت بدورها في عقد مجالس الصلح بين العائلات المتنازعة.

 

وخاض القياتي باشا حربا ضروسا ضد الإنجليز واعتلى منبر الأزهر الشريف وخطب في الناس وفي الكنيسة المصرية لإلهاب حماس الجماهير خلال ثورة 1919 رفيقا للزعيم سعد زغلول ، وكان من الأعضاء البارزين لحزب الوفد ، وبرز من أبناء العائلة الشيخ علي القياتي الذي كان نائباً بارزاً في عهد مصطفى باشا النحاس، ثم جاء بعده ابنه الذي فاز بعضوية مجلس الشعب عام 1984 وكان من الشخصيات الوفدية المؤثرة.

 

كما لعبت العائلة دوراً سياسياً لافتاً خلال ثورة 1919، إذ احتضن بيت القاياتي في حي الجمالية بالقاهرة العديد من الإجتماعات والندوات الوطنية، كما أصدرت العائلة صحفاً سياسية داخل مصر وخارجها دعماً للحركة الوطنية.

ورغم ما عُرف عن أفرادها من الورع والزهد، فإن العائلة تمتعت أيضاً بثراء ملحوظ ونفوذ اجتماعي واسع مكّنها من الحفاظ على حضورها السياسي في المجالس النيابية لسنوات طويلة.

 

عبد الرازق… العلم والدين والسياسة

أما عائلة عبد الرازق في بني مزار، فهي من العائلات التي جمعت بين النفوذ الديني والحضور السياسي. ويرجع أصلها إلى الشيخ عبد الرازق الكبير الذي عاش قبل أكثر من قرنين، وكان يدير كتاباً لتحفيظ القرآن في قرية البهنسا، التي تُعرف بلقب بقيع مصر لكثرة الصحابة والأولياء المدفونين فيها.

حيث كان علي بك عبد الرازق عضوا بارزا في حزب الوفد في عهدي الزعيم سعد باشا زغلول ، ومصطفى باشا النحاس ، وقد حرص الشيخ عبد الرازق على تعليم أبنائه، فنبغوا في العلم حتى انضم أحدهم إلى بعثة تعليمية في باريس، وهناك تعرّف إلى الأمير إسماعيل قبل أن يصبح خديوي مصر. وبعد عودته إلى البلاد تولّى منصباً كبيراً، واستقر في قرية صفط أبو جرج حيث امتلك مساحات واسعة من الأراضي.

ومن نسل هذه العائلة خرج عالمان كبيران تركا أثراً عميقاً في الفكر الإسلامي الحديث: الشيخ علي عبد الرازق صاحب الكتاب الشهير الإسلام وأصول الحكم، وشقيقه الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي تولّى وزارة الأوقاف ثم مشيخة الأزهر الشريف.

وقد شغل أبناء العائلة مناصب عديدة في الدولة، بين القضاء والدبلوماسية والجامعات، إلى جانب حضورهم المستمر في الحياة النيابية. ومن أبرز الشخصيات المعاصرة المنتمية إليها المستشار عبد الوهاب عبد الرازق رئيس مجلس الشيوخ.

 

نساء المنيا في قلب الثورة

ولم يقتصر التاريخ الوطني للوفديين بمحافظة المنيا على الرجال وحدهم، فقد سطعت فيه أيضًا أسماء نساء قدّمن نماذج نادرة من الشجاعة والتضحية ، ومن أبرز تلك النماذج دولت فهمي، ابنة قرية أبو عزيز بمركز مطاي، التي عُرفت بلقب عذراء الحرية.

انتقلت دولت فهمي إلى القاهرة وعملت ناظرة بمدرسة الهلال الأحمر القبطية للبنات، غير أن حياتها لم تقتصر على العمل التعليمي، إذ انخرطت سرًّا في التنظيم الثوري خلال ثورة 1919، ضمن الجهاز السري المعروف باسم «اليد السوداء». وبفضل موقعها الاجتماعي وعملها التربوي، استطاعت أن تتحرك في صمت، تؤدي دورها في خدمة الحركة الوطنية بعيدًا عن أعين السلطات.

وقد بلغت تضحيتها ذروة نادرة حين سعت لإنقاذ أحد الثوار ويدعى شحاته من حكم الإعدام، فاضطرت إلى تقديم تضحية قاسية بسمعتها وشرفها حفاظًا على سرية العمل الثوري ، غير أن هذه التضحية لم تُفهم في حينها، إذ لم يدرك أشقاؤها حقيقة ما فعلته، فكان مصيرها القتل على أيديهم، دون أن يعلموا أنهم أزهقوا روح واحدة من أعظم فدائيات الثورة المصرية.

وهكذا بقي اسم دولت فهمي، ابنة المنيا المنسية، شاهدًا على أن التاريخ لا يصنعه الرجال وحدهم، بل تسهم فيه نساء قد يخفين بطولاتهن خلف ستار الصمت، لكن أثرهن يظل خالدًا في ذاكرة الوطن.

 

وفي ابو قرقاص جنوب المنيا 

كان  اللواء فاروق طه ، والذي يعد من ابرز اعضاء الوفد تحت قبة مجلس الشعب ، والذي فاز بالعضوية عدة مرات بداية من عام 1984 ، ممثلا عن حزب الوفد الجديد في عهد فؤاد باشا سراج الدين ، وفي مطاي برز اسم الشيخ حسن حسانين صاحب عمود بالأزهر الشريف وزميل كفاح للزعيم سعد باشا زغلول ، ابن قرية أبوحسيبة بمطاي ، وكان محمد عمر عثمان عمدة قرية أبو حسيبة ، والذي اقيل مع تغيير الحكومة الوفدية أكثر من مرة وعودته مع عودة حكومة الوفد .

 

إرث لا يغيب :

تبقى عائلات ، الشريعي ، و شمردن ، و القاياتي ، وعبد الرازق ، جزءًا أصيلًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية لمحافظة المنيا .. حيث امتزج في تاريخها نفوذ الأعيان بروح الوطنية، وتداخلت الزعامة الريفية مع العمل البرلماني والنضال السياسي.

ورغم تبدّل الأزمنة وتغير الخريطة السياسية، فإن أسماء هذه العائلات ما تزال حاضرة في وجدان أهل المنيا، شاهدة على مرحلة كانت فيها العائلات الكبرى مدارس للوطنية، ومنابع لرجال الفكر والسياسة، و حراسًا لتقاليد الصعيد المصري العريق .. حيث امتزج في تاريخها نفوذ الأعيان بروح الوطنية، وتداخلت الزعامة الريفية مع العمل البرلماني والنضال السياسي.الشيخ علي القياتي