واضحٌ ذلك وضوح الشمس لكلِّ ذي بَصَرٍ...أن كلَّ ما عُرِفَ ثمنُه رَخُصَتْ قيمتُه حتى وإن غلا الثمن على البعض إلا أنَّ ما غلا على البعض نظراً لضيق ذات يده؛ يسهل على البعض احرازُه واقتناؤه نظراً لامتلاكهم ثمنه...لكن..هل هناك ما لا ثمنَ له، ولا يستطيع الكلُّ نوالَه إلا ببذل الغالي والنفيس؟!! يقول الشاعر العباسي"مُسْلم بن الوليد:
(يَجُودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوادُ بِها/والجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ)(عَوَّدْتَ نَفْسَكَ عاداتٍ خُلِقْتَ لَها/صِدْقَ اللِّقاءِ وإِنْجازَ المَواعِيدِ) وليس هناك أغلى من الروح، فإذا جاد بها المرء تحصيلاً لفضيلة الفداء فذلك البذلُ أقصى مراتب الجود والكرم، وتلك مزيَّةٌ تتجاوز حدود ما استقر عليه أهلُ العطاء؛ وليس في الأمر تصنُّعٌ؛ إنما اعتيادٌ يعتاده العظماء من جملة طباعهم وأخلاقهم، والفضائل لا ثمنَ لها سوى بذل الروح، وأيضاً لا ثمنَ للروح العظيمة سوى بذلِها في سبيل عظائم الغايات...!!؛ أشياءٌ لا تُشترَى..!! لكنّ أسواقَها محافلُ البطولة وعُمْلتَها المَرْضيَّ عنها الروحُ..فقط
وليس سواها!!.
على ذلك عزف "أمل دنقل" معزوفتَه الشهيرة "لا تُصالِحْ"
(لا تُصالحْ.. على الدَّمِ حتى بِدَمْ!!/لا تُصالحْ ولو قيل رأسٌ برأسٍ!!...أكلُّ الرؤوسِ سواءْ..!!!/أقلب الغريب كقلب أخيك..!!/
أعيناه عينا أخيكَ..!!/وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لكْ/بيدٍ سيفُها أثكلكْ..!!)
جاءت في عشر دفقات صرخةَ رفضٍ سبقت كل التوقعات في الإنباء بدءاً بالنهي "لا تصالح" المتكرر في القصيدة عشرين مرة لكن تنوعتْ أغراضه ما بين التوسل والرجاء إلى التحذير، ومنطقيةٍ تقوم على المعادلة للإقناع رغم يقينه أن المخاطَب من العسير إقناعه بالتراجع:
(..ولو منحوك الذهبْ
أتُرى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..)
إذْ كيف يتساوى الشهيد بقتيل مأجور، وصاحب القضية بالمعتدي؛ فلا دَمَ هذا يوزن بذاك، ولا أيّ عضوٍ في جسد شهيدك الطاهر يقبل أن يوضع في كفَّةٍ تجمعه بعضو قتيلٍ غاصبٍ؛ولأن "أمل دنقل" شاعرٌ رائيٌ يقرأ ما خفيَ على كثيرين، وأدرك أخطار ما بعد فضِّ الاشتباك فقد كتب "لا تصالح" في نوفمبر عام ستةٍ وسبعين وتسعمائةٍ وألف..!!رغم ما يشيع بين محبي الشعر ومتذوقيه أنها نتاجٌ لحظيٌّ لمعاهدة "كامب ديفيد"... وكثيراً ما يلحُّ على العقل سؤال عن سر ذيوع هذا النص... ألأننا لم تُتركْ لنا مسافةٌ زمنيةٌ كافيةٌ للتلذُّذ بالنصر الأكتوبري الحاسم؟!! أم أن بصيرة الشعب لم تستطع آلة الدعاية تعديلَ بوصلتها؟!! أجل...فلقد عشنا "رمضان" الانفجار عام ثلاثةٍ وسبعين، وقدّمنا التضحيات راضين موقنين ألَّا طريقَ لتطهير العِرْض واستعادة الأرض سوى بذْلِ الروح فلم نتوان، وما زالت تلك المَشاهد محفورةً في ذاكرتي في المنصورة وكل مدائن الوطن حينما كنا نقف في طابور الخبز دونما تأفُّفٍ أو تبرُّمٍ مرتيْن يومياً فلا يأخذ أحدٌ رغيفاً يزيد عما هو مسموحٌ به، كانت أقدام المارة في جميع الشوارع تتوقف بل والسيارات مجرد أن تعلن أجهزة المذياع الموجودة في كل المحال بياناً عسكرياً جديداً...الجميع يقف صغاراً وكباراً تختلط الفرحة بأنفاسهم، فإذا اختتم المذيع بيانه خرجت التكبيرات موجاً هادراً، وتبادل الواقفون التهنئة...أياماً ولياليَ لم تُسجل فيها أقسام الشرطة حالة سرقةٍ أو شجارٍ، وكأنَّا نستعيد عصر الصحابة الأجلَّاء والتابعين، وتفوح في الأجواء روائح معارك الإسلام الكبرى مثل بدْرٍ الكبرى وحطِّين وعينِ جالوت .. شعبٌ كهذا... هل يمكن تغيير مزاجه العام ببيانٍ ،أو تحويل دفّة مشاعره بوعدٍ زائفٍ ولم يزل دمُ شهدائه طازجاً، ولم تزل مواكب شهدائه تتقاطر..!!
(لا تصالح..ولو توَّجوك بتاج الإمارةْ/كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..!! وكيف تصير المليكَ..!!
على أوجهِ البهجة المستعارةْ!!/كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..في كل كفْ..!!/إن سهمًا أتاني من الخلف..سوف يجيئك من ألف خلف!!/فالدم الآن صار وسامًا وشارةْ/
لا تصالح..ولو توَّجوك بتاج الإمارةْ/إن عرشَك..
سيفٌ وسيفك..زيفٌ إذا لم تزنْ بذؤابته لحظاتِ الشرفْ/واستطبت الترفْ)
ويبرع "أمل دنقل" في استخدام الاستفهام الاستنكاري المتكرر بأداة واحدة"كيف" الدال على استحالة حدوث الصلح أيّاً كان الثمن،وهل يمكن عقْد صلحٍ مع خائن سفك الدماء واستباح الأعراض. إن مجرد استرجاع مظاهر احتفاء الشعب بجنوده العائدين إلى أماكن سكناهم وحملهم على الأعناق وعناقهم أكبر برهان على أننا لاننسى ثأرنا، أجلْ...حدث ذلك في جميع مدن مصر وقراها رأيت ذلك وأكثر، إن مجرد استرجاع صور الزينة التي غطت شوارع الوطن مدنا وقرى بشكلٍ لم نره قبل ذلك وبكاء الناس فجراً كلما أبدع المبتهل الشيخ"نصر الدين طوبار"
بصوته الكوثر مذكِّراً بنصر الله العظيم كلها صورٌ لم يكن لها مثيل!!
شعبٌ كهذا... هل ترى عينه في ذلك العدو غير خطرٍ أبديٍّ يستحيل الاستهانة به، وكل الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود السابقة إلى اليوم تؤكد بجلاءٍ عمق بصيرة هذا الشعب الذي لم يقتنع بسلامٍ هشٍّ،أو يهرول إلى موائد التطبيع.!!!
(لا تصالحْ..ولو وقفتْ ضد سيفك كلُّ الشيوخْ/والرجال التي ملأتْها الشروخْ/هؤلاء الذين تدلَّتْ عمائمُهم فوق أعينهم .. وسيوفُهم العربيةُ قد نسيتْ سنواتِ الشموخْ/لا تصالح..فليس سوى أن تريدْ/أنت فارسُ هذا الزمان الوحيدْ/وسواك ..المسوخ!!/لا تصالحْ .. لا تصالحْ)
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض