رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

لا يختلف اثنان على أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي في المنطقة، تتأثر بما يدور حولها من أزمات وصراعات دولية، فالعالم اليوم أصبح قرية صغيرة، وأي اضطراب في أسواق الطاقة أو سلاسل الإمداد أو حركة التجارة ينعكس سريعًا على اقتصادات دول كثيرة، ومنها مصر، ولكن المشكلة لا تكمن في التأثر ذاته، فذلك أمر طبيعي في عالم مترابط، وإنما في الطريقة التي تُدار بها آثار هذه الأزمات داخليًا، ومن يتحمل في النهاية كلفة هذه التداعيات.

وخلال السنوات الماضية، اعتاد المواطن المصري سماع نفس التبريرات عند صدور قرارات اقتصادية صعبة: اضطراب عالمي هنا، أزمة اقتصادية هناك، أو توترات دولية ترفع أسعار الطاقة والغذاء، ورغم أن هذه المبررات قد تبدو واقعية في كثير من الأحيان، تظل النتيجة واحدة، إذ يظل المواطن دائمًا مضطرًا لتحمل أعباء مالية إضافية، كأن جيبه هو الخزانة المفتوحة التي يمكن اللجوء إليها كلما تقطعت السبل.

ولا يمكن تجاهل أن هذا الجيب لم يعد يحتمل المزيد، فالغالبية العظمى من المصريين يعيشون اليوم تحت ضغط اقتصادي متزايد، بين موجات متلاحقة من الغلاء من جهة، ودخول ثابتة أو محدودة من جهة أخرى، وكثير من الأسر التي كانت قبل سنوات قليلة قادرة على تدبير أمورها وتنفق بسخاء، أصبحت الآن تدير حياتها بمنطق الضروريات فقط، بينما تتحول احتياجات أخرى كثيرة إلى رفاهية مؤجلة.

هذا التحول في نمط الحياة ليس مسألة اقتصادية فحسب، وإنما له انعكاسات اجتماعية ونفسية عميقة، فالضغوط المعيشية المتزايدة بدأت تترك آثارها على استقرار الأسر والعلاقات داخل المجتمع، حالات التوتر والخلافات بسبب الأعباء المالية أصبحت أكثر حضورًا، وبعضها يصل في لحظات الغضب واليأس إلى نهايات مأساوية، وهذه ليست مجرد وقائع متفرقة، ولكنها تشير إلى حجم الضغط الذي يعيشه قطاع واسع من المجتمع.

والمشكلة الأكبر أن كثيرًا من الأسر فقدت ما كان يُعرف بثقافة الادخار للزمن، فلم تعد هناك مدخرات حقيقية يمكن الرجوع إليها عند الأزمات الطارئة، فارتفاع تكاليف المعيشة استهلك الجزء الأكبر من الدخول، حتى باتت كلمة «الطوارئ» نفسها مصدر قلق لدى كثير من الناس، وعندما يواجه الفرد ظرفًا مفاجئًا، يجد نفسه مضطرًا إلى طلب المساعدة من الأقارب والأصدقاء، وهو أمر يترك أثرًا نفسيًا ثقيلًا على كرامته وشعوره بالاستقلال.

ومن هنا، يبرز أهمية التفكير الجاد في استراتيجيات بديلة لإدارة الأزمات الاقتصادية، بدل الاكتفاء بالحل السهل المتمثل في تحميل المواطن أعباء إضافية، فالدول التي تنجح في مواجهة الأزمات ليست تلك التي تنقل العبء من فئة إلى أخرى لتزيد معاناتهم، ولكن تلك التي تبتكر أدوات فعالة لإدارة المخاطر وتقاسم التكاليف بشكل أكثر عدالة وإنصافًا.

وقد يكون من المفيد طرح فكرة إنشاء صندوق وطني لإدارة المخاطر والأزمات، تكون مهمته الأساسية توفير موارد مالية احتياطية تُستخدم عند حدوث صدمات اقتصادية خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا أو اضطراب الأسواق الدولية، ووجود مثل هذا الصندوق يمنح صانع القرار مساحة أوسع للحركة، بدل اللجوء السريع إلى جيوب المواطنين كلما اشتدت الضغوط.

وهنا قد يتساءل البعض عن مصدر تمويل هذا الصندوق في ظل عجز الموازنة العامة، والإجابة أبسط مما نتصور، وذلك من خلال مساهمات سنوية منظمة من كبار رجال الأعمال وأصحاب الثروات الكبيرة، الذين حققوا على مدى سنوات طويلة أرباحًا ضخمة من السوق المصرية ومن قوة استهلاك المواطن، ومن الطبيعي أن يكون لهم دور أكبر في دعم الاقتصاد الوطني عند مرور البلاد بظروف استثنائية.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المساهمات بأنها جباية أو ضغط على القطاع الخاص، وإنما كخطوة شراكة وطنية حقيقية بين الدولة ورجال الأعمال والمجتمع، فاستقرار الاقتصاد في النهاية يصب في مصلحة الجميع، كما أن وجود آليات واضحة لإدارة الأزمات يخلق بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والعمل.

الخلاصة.. الأزمات العالمية قد تكون خارج إرادتنا، لكن طريقة التعامل معها قرار داخلي بامتياز، وإذا كان من الصعب منع رياح الأزمات من الوصول إلينا، فمن الممكن على الأقل التأكد من أن المواطن البسيط ليس وحده في مواجهة العاصفة، فجيب المواطن ببساطة لم يعد مغارة علي بابا.