حين يتحول مجتمع كامل إلى ساحة المحاكم والقضايا, ويتم تصوير المواطن المصرى كأنه يعيش فى بيئة تعج بجرائم الفساد, أو الجرائم اليومية الحياتية, مثل السرقة أو العنف أو الجرائم الأسرية مثل الطلاق أو الخيانة أو النفقة والرؤية، وأخيراً الجرائم الكبرى مثل تجارة المخدرات أو الآثار أو السلاح أو المال أو غيرها من مظاهر الانحراف الشديد فى التركيبة المجتمعية والبناء الإنسانى لأولى لبنات أى مجتمع صحى سليم معافى قادر على تحقيق منظومة العدالة وفق القوانين، فإن هذا أكبر ناقوس خطر ينذر بعواقب وخيمة ومفجعة.
هذا ما تقدمه لنا الدراما التليفزيونية المصرية فى موسم رمضان هذا العام... جميع المسلسلات مستشار ومحامٍ ومحكمة وقسم شرطة، لأسباب وقضايا مختلفة، وإن كان معظمها عن العنف والانحراف والفساد... حتى إن كانت المعالجة الدرامية متميزة ومتفردة مثل مسلسل «عين سحرية» للكاتب «هشام هلال» والمخرج الجديد «السدير مسعود» وتمثيل عمالقة مثل «باسم السمرة» و«علاء محمد» والواعد «عصام عمر»... فى هذا العمل المبدع الذى يغرد منفرداً خارج السرب الرمضانى، فهو عمل يناقش قضية فلسفية اجتماعية عن العدل والقانون وهل يتحقق العدل على الأرض أم أن القانون يسود ولكنه لا يحقق العدالة المرجوة التى لن نجدها إلا فى السماء، فى سياق درامى متصاعد الوتيرة عن صراع الأجيال بين اليأس والإحباط عبر عالمين وجيلين، جيل «عم زكى» الذى فشل فى تحقيق العدل وفقد اسمه، وسمعته، وعمله، وحريته، وزوجته، وابنته، وكان على وشك فقدان حياته لأنه تعامل مع العدل بمنطق الفاسدين، وجيل هذا الشاب المهندس المتعلم «عادل» الذى يعيش حياة صعبة بل شبه مستحيلة يطارده الماضى وجريمة والده البسيط الذى سقط كما سقط زكى بين أنياب الفساد.. يعيش عادل متمسكاً بشرف ومبادئ ولا يريد أن يتخلى عنها أو يفقدها، وحين يحارب من أجل العدل فإنه يناور ويحاور بأسلوب يخالف «عم زكى» ويأمل عادل ألا يفقد البوصلة الصحيحة وألا يحيد عن الطريق وألا يهرب منه الأمل ويظل مصراً على أنه وجيله القادم سوف يحققون العدل على الأرض ولن ينتظروا العدالة فقط فى السماء... مباراة فنية بين الثلاثة «زكى» و«شهاب» و«عادل» أدارها المخرج والكاتب بالحوار الدرامى المكثف الملىء بالمعانى والقيم والإرهاصات الإنسانية والأبعاد الاجتماعية، والمخرج الذى لعب بالإضاءة المظلمة الخافتة الكادرات الضيقة جداً لتُشعِر المتلقى بالوخز النفسى والألم الذى يعيشه وتعيشه الشخصيات الدرامية.
«عين سحرية» قدم صورة مصغرة للمجتمع المصرى وبعض قضايا فساد كبرى فى مجالات الغذاء والمخدرات والسيارات وتجارة الأدوية والعلاج، وكذلك هيمنة وسطوة بعض رجال القانون وتمكنهم من مفاصل الاقتصاد والتجارة وعلاقتهم المشبوهة بالعديد من رجال المال والأعمال والصحة، وكيف يؤثر ذلك سلباً على الحياة اليومية للمواطن المصرى... حتى قضية الأخ الصغير الذى يعانى من داء السرقة يقع هو الآخر فريسة لتجار المخدرات من خلال قيادة التيك توك وتلك الامبراطورية الجديدة التى خربت العقول والشباب وتسببت فى التسرب من التعليم مع ألعاب الفيديو والإلكترونيات، وأدت لاندثار الحرف والمهن اليدوية والصناعية لجيل كبير من الشباب الذين خطفتهم نداهة التيك توك والربح السريع المغموس بالدماء والمخدرات وسلسلة العنف والبلطجة.
حتى مسلسل «اثنين غيرنا» و«سوا سوا» و«مناعة» و«الست موناليزا» لم يسلموا من قاعات المحاكم، بل إن معظم الأعمال فى النصف الثانى من رمضان تدور أحداثها ما بين سيادة المستشار وجناب المحامى ومعالى اللواء، وفى عرض الطريق يقع المواطن والمواطنة فى سلسلة من سرقات وخيانات وقتل واغتصاب واختطاف أطفال.. المهم أن هذا ما يراه ويكتبه الكاتب ويخرجه المخرجون، وتنتجه الشركة المسيطرة المهيمنة على الدراما, فلا يجد الممثل بداً من أكل البقلاوة بالياسمين ويضطر المشاهد ليتابع هذا الغث، بينما العالم يرانا اليوم مجتمعاً يعيش فى أروقة المحاكم جراء انحراف مجتمعى...والباقى انتم تعرفونه...
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض