تعرف على مسألة في سجود التلاوة وأحكامها
مسألة: في سجود التلاوة ذهب عامة الفقهاء إلى مشروعية سجود التلاوة ،و قد ثبتت مشرعيته بالكتاب و السنة و الإجماع.
أولا: من الكتاب
إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا [الإسراء: 107]
ثانيا: من السنة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: ((ربما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فيمر بالسجدة فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده، حتى ما يجد أحدنا مكانا ليسجد فيه، في غير صلاة ))
ثالثا: من الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: القرطبي ، والنووي ، وابن تيمية ، وابن حجر ، والهيتمي ، والصنعاني ، والنفراوي.
و اختلفوا في حكمه هل هو واجب أم سنة ؟
1-القول الأول: أن سجود التلاوة سنة وليس بواجب، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بما يلي:
ما جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: " قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا " رواه البخاري (1073)، ومسلم (577).
وفي رواية: " فلم يسجد منا أحد" رواه ابن خزيمة (566) وإسناده حسن.
ما ورد عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أنه قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ. حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ، قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ".
وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ، إِلَّا أَنْ نَشَاءَ "رواه البخاري (1077).
قال ابن عبد البر رحمه الله: "هذا عمر، وابن عمر، ولا مخالف لهما من الصحابة، فلا وجه لقول من أوجب سجود التلاوة فرضًا؛ لأن الله لم يوجبه ولا رسوله ولا اتفق العلماء على وجوبه..." انتهى من "الاستذكار" (2/ 508).
قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (5/ 74، ط. دار إحياء التراث): [قوله: "إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ".. فيه إثباتُ سجودِ التِّلَاوَةِ، وقد أجمعَ العلماءُ عليهِ، وهو عندنا وعند الجمهورِ: سنةٌ ليس بواجبٍ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: واجبٌ ليس بفرضٍ؛ على اصطلاحه في الفرقِ بَيْنَ الواجبِ والفرضِ، وهو سُنَّةٌ للقارِئِ والمستمعِ لَهُ] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (1/ 446، ط. مكتبة القاهرة): [(ومن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه) وجملة ذلك: أنَّ سجود التلاوة سنةٌ مؤكدة، وليس بواجب عند إمامنا، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وهو مذهب عمر، وابنه عبد الله.. ويُسَنُّ السجود للتالي والمستمع، لا نعلم في هذا خلافًا، وقد دلت عليه الأحاديث التي رويناها] اهـ.
2-القول الثاني: أن سجود التلاوة واجب مطلقًا، وإلى هذا ذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
واستدلوا بأن الله تعالى أمر بالسجود في عدة مواضع من القرآن الكريم، وذم من لم يسجد عند قراءة القرآن، كقوله تعالى: وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ الانشقاق/21.
و اختلفوا في عدد السجدات:
مذهب الحنابلة : 15 سجدة .
مذهب الشافعية : 14 سجدة ، لم يحسبوا سجدة ( ص ) .
مذهب مالك : 11 سجدة ، أسقطوا سجدات المفصل .
مذهب أبو حنيفة : 14 سجدة ، أسقطوا السجدة الثانية من الحج .
فائدة: اتفق العلماء على مشروعية السجود في عشرة مواضع، وهي متوالية، إلا ثانية الحج و( ص ) .
هل يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي؟
اختلف العلماء في حكم سجود التلاوة في أوقات النهي على قولين:
1-القول الأول: يجوز سجود التلاوة في كل وقت، ولو في أوقات النهي عن الصلاة، وهذا مذهب الشافعية ، ورواية عن أحمد واختاره ابن تيمية، والصنعاني والشوكاني، وذلك؛ للأدلة الواردة في جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي.
2-القول الثاني: لا يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي، وهذا مذهب الجمهور: الحنفية والمالكية والحنابلة وذلك لعموم الأدلة الواردة في النهي
وهل يشترط لسجود الصلاة: الطهارة واستقبال القبلة ؟
ذهب الجمهور إلى أنه لا يصح سجود التلاوة بغير طهارة:
قال العلامة ابن سيد الناس [ت734هـ] في "النفح الشذي شرح جامع الترمذي" (1/ 49، ط. الصميعي): [وأجمَعَتِ الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة الجنازة] اهـ.
وقال العلامة أبو حيان الأندلسي [ت745هـ] في "البحر المحيط في التفسير" (5/ 264، ط. دار الفكر): [ولا خلاف في أنَّ شرطَهُ شَرْطُ الصلاة؛ من طهارة خبث وحدث، ونيَّة، واستقبال] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (3/ 131، ط. دار الفكر): [وقوله: (هي شرط في صحة الصلاة) هذا مجمع عليه، ولا تصح صلاة بغير طهور؛ إما بالماء، وإما بالتيمم بشرطه، سواء صلاة الفرض والنفل، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر؛ هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 444، ط. مكتبة القاهرة): [(ولا يسجد إلا وهو طاهر) وجملة ذلك: أنه يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة؛ من الطهارتين من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، ولا نعلم فيه خلافًا] اهـ
2-القول الثاني: و ذهب العلامة ابن حزم و من قال بقوله إلى أنه لا يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة من الطهارة و استقبال القبلة.
قال الإمام ابن حزم في "المحلى بالآثار" (1/ 97، ط. دار الفكر): [والسجود في قراءة القرآن ليس ركعة ولا ركعتين فليس صلاة، وإذ ليس هو صلاة؛ فهو جائزٌ بلا وضوء، وللجنب وللحائض، وإلى غير القبلة؛ كسائر الذكر، ولا فَرْق، إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة فقط] اهـ.
و استدل ابن حزم بجملة من الأدلة منها:
أولًا: ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان "يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَيُهْرِيقُ الْمَاءَ، ثُمَّ يَرْكَبُ، فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَمَا تَوَضَّأَ" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" من حديث سعيد بن جبير رضي الله عنه.
وما رُوي عن الشعبي: فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ فقَالَ: "يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".
- ثانيًا: ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ" أخرجه البخاري في "صحيحه".
- ثالثًا: بأن سجود التلاوة ليس صلاةً؛ لكونه ليس بركعة حتى يكون صلاةً أو في حكم الصلاة؛ فجاز فعله بلا وضوء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض