رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

على خلاف الشائع:

تعودنا منذ وعينا على تلقف ما تمدنا به المرويات الظنية، من قصص الأنبياء والصالحين ونعتقد صحته، دون أن نتدبر الحقيقة الموجودة في كتاب الله، ومن هذه المرويات قصة تصاهر النبيين الكريمين شعيب وموسى عليهما السلام، وقد عشت  - مثل كثير غيري – اعتقد أن النبي موسى عليه السلام تزوج أبنة النبي شعيب عليه السلام، حتى طالعت قبل 3 عقود كتيبًا للباحث عبد الفتاح عساكر، غير اعتقادي 180 درجة، لما أورده من أدلة من كتاب الله وما نُقل عن بعض كبار المفسرين،  تثبت أن النبىين شُعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام لم يتصاهرا، وكيف يتصاهران وقرون من الزمن تفصل بينهما!

ولو طالعنا قصة موسى عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم، لن نجد ذكرًا فيها لاسم صهره، فقط توجد إشارة لكونه من مدين بلدة النبي شعيب عليه السلام، فهل مجرد زواج النبي موسى عليه السلام من مدين تعنى بالضرورة أن زوجته ابنة نبي الله شعيب عليه السلام؟!

إن كتاب الله ينقل لنا على لسان شعيب عليه السلام قوله مخاطبًا قومه " وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنِكُم بِبَعِيدٍ"، وهذا يعنى أن شعيبًا عليه السلام قد عاش في زمن قريب من زمن قوم لوط ، فيما عاصرالنبي لوط عليه السلام أبا الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، والمعلوم أن إبراهيم الخليل وموسى عليهما السلام يفصل بينهما نحو أربعة قرون، فهل عاش النبي شعيب وعمّر حتى التقى موسى عليه السلام، وهل يعقل أن يترك أهل مدين أبنتي نبيهم عاجزتين عن السقاء ولا يساعدونهما؟!

وابن عساكر في بحثه يضع نقاطًا على الحروف الضائعة، موضحًا أن صاحب مدين المذكور في القرآن الكريم ليس بالنبي شعيب عليه السلام، بل يدعى "ثيرون"، وقيل "يثرى"، موردًا أقوالاً لعلماء بارزين من السلف الأوائل والمحدثين، ينفون كون صهر موسى عليه السلام هو النبي شعيب عليه السلام، إذ جاء في "جامع البيان في تفسير القرآن" للإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى تفسير سورة القصص: (ففى اسمه اختلاف فقال بعضهم كان اسمه يثرون ذكر من قال ذلك حدثنى أبو السائب قال: ثنى أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة قال: كان الذى استأجر موسى ابن أخى شعيب يثرون ويقول الطبرى: (وقال آخرون بل اسمه يثرى ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن وكيع قال: ثنى العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة عن أبى إسماعيل بن الهيثم قال: ثنى أبو قتيبة عن حماد بن سلمة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال: (الذى استأجر موسى يثرى صاحب مدين" وجاء في تفسير "معالم التنزيل" لأبى محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوى في تفسير الآيات 22- 28 من سورة القصص : "... واختلفوا في اسم أبيها فقال مجاهد والضحاك والسدى والحسن : شعيب النبى عليه السلام وقال وهب بن منبه وسعيد بن جبير: هو بيرون ابن أخى شعيب وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كُفَّ بصره فدفن بين المقام وزمزم وقيل رجل ممن آمن بشعيب".

وجاء في "تفسير المراغى" للشيخ أحمد مصطفى المراغى : " وقد اختلف في الأب من هو؟! فقيل شعيب عليه السلام، وهو بعيد كل البعد لأن شعيبًا كان قبل موسى بزمن طويل، بدليل قوله الله تعالى على لسان شعيب:  "وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ"، وقد كان هلاك قوم لوط فى عصر الخليل عليه السلام، كما نص على ذلك الكتاب الكريم، وكان بين إبراهيم وموسى عليهما السلام ما يزيد عن أربعمائة سنة. 

كما رجح سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن" كون صهر موسى رجلًا من مدين قائلًا: "سبق أن قلت مرة فى الظلال أن هذا الرجل هو شعيب، وقلت مرة: إنه قد يكون النبى شعيبًا أو لا يكون .. وأنا الآن أميل إلى ترجيح انه ليس هو وانما هوشيخ آخر من مدين ..." ، قال بالأمر ذاته أستاذنا العلامة الشيخ محمد الغزالي في كتابه "نحو تفسير موضوعى لسور القرآن الكريم"،" ونحن لا نعرف هوية الرجل الصالح الذي أسدى لموسى هذا الجميل ولا أظنه بالنبى شعيب ".

 وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى في كتابه "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" : "وغاية ما يكون أن شعيبًا عليه السلام قد كانت بلدته مدين، وهذه القضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين ؟! وأيضًا فأنه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيب فكيف بشخصه؟ ولو كان ذلك الرجل شعيبًا لذكره الله تعالى ولسمته المرأتان، وأيضًا فان شعيبًا عليه الصلاة والسلام قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من أمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين به أن يرضوا لأبنتى نبيهم منعهما عن الماء وصد ماشيتهما، وما كان شعيب عليه السلام ليرضى أن يرعى موسى عليه السلام عنده ويكون خادمًا له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، إلا أن يقال هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة، وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبى بغير نقل صحيح عن النبى". 

وأختم برسالة مفردة لشيخ الإسلام ابن تيمية عنوانها "رسالة في قصة شعيب" 
 يقول "ولم يذكر عن هذا الشيخ أنه كان شعيبًا ولا أنه كان نبيًا، ولا عند أهل الكتابين أنه كان نبيًا، ولا نقل عن أحد من الصحابة أن هذا الشيخ الذي صاهر موسى كان شعيبًا النبي، لا عن ابن عباس ولا غيره بل المنقول عن الصحابة أنه لم يكن هو شعيب….وأما شياع كون حمى موسى شعيبًا النبي، عند كثير من الناس الذين لا خبرة لهم بحقائق العلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية، فهذا مما لا يغتر به عاقل، فإن غاية مثل ذلك أن يكون منقولًا عن بعض المنتسبين إلى العلم وقد خالفه غيره من أهل العلم، وقول العالم الذي يخالفه نظيره ليس حجة بل يجب رد ما تنازعا فيه إلى الأدلة، ويضيف ابن تيمية:  وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب عليه السلام فلا يلتفت إلى قوله فإنه ينقل الغث والسمين، فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن الصحابة، ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري، مع مخالفته أيضًا لأهل الكتابين فإنهم متفقون على أنه ليس هو شعيب النبي، فإن ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه يثرون وليس لشعيب النبي عندهم ذكر.

 

[email protected]