الزاد
السؤال الذى يفرض نفسه اليوم بقوة: من منح الإدارة الأمريكية الحق فى أن تزج بالمنطقة فى حرب مع إيران؟ وعلى أى أساس جرى اتخاذ قرار بهذه الخطورة، وكأن الأمر لا يتجاوز قراراً عابراً أو خطوة تكتيكية فى لعبة سياسية؟
إن الحروب فى الشرق الأوسط لا تبقى محصورة بين طرفين، ولا تقف آثارها عند حدود الدولة التى تستهدف أو الدولة التى تشن الحرب. وهذه المنطقة شديدة الحساسية، متشابكة المصالح، متداخلة الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. ولذلك أى شرارة عسكرية يمكن أن تتحول سريعاً إلى حريق واسع يمتد إلى دول عديدة، ويصيب استقرار المنطقة كلها فى مقتل.
العالم كله اليوم يدفع فاتورة التهور الأمريكى، ونزعة الهيمنة التى لم تغادر عقل صانع القرار فى واشنطن، وكأن الكوكب ساحة نفوذ مفتوحة لإرادته وحدها.
تدفع الشعوب ثمن حسابات القوة، وتستنزف الاقتصادات بسبب صراعات تشعل من بعيد وتدار من خلف البحار.
وفى المقابل، تتجلى فى سياسات حكومة بنيامين نتنياهو نزعة تصعيد لا ترى فى الدم سوى وسيلة، ولا فى الدمار سوى رسالة. فكلما اتسعت دائرة النار، ضاقت مساحات الأمل، وارتفعت كلفة السلام.
المشهد بات واضحاً: عالماً مرتبكاً، وأسواقاً قلقة، وشعوباً تبحث عن استقرار مفقود.
إن منطق القوة حين ينفلت من عقال الحكمة، لا يحرق خصومه فقط، بل يحرق الجميع... ويجعل الإنسانية كلها رهينة قرار متهور أو حساب خاطئ.
التاريخ علمنا أن الهيمنة لا تصنع أمناً دائماً، وأن السلام الحقيقى لا يولد من فوهة بندقية، بل من إرادة عدل وتوازن تحترم حق الشعوب فى الحياة والكرامة.
لا أعلم حتى الآن مبرراً مقنعاً لضرب إيران، سوى شعور متضخم بالقوة، وغرور أعمى تدفعه شهوة الدم، وكأن إشعال حرب جديدة مجرد قرار عابر، لا يختلف عن قرار الذهاب إلى فسحة.
كأن الدم مشاهد فى فيلم سينمائى، الدمار مشاهد أكشن لخدمة السيناريو تستهلك ثم تنسى.
لكن الحقيقة أن كل صاروخ يسقط يترك وراءه بيتاً مهدوماً، وأماً مكلومة، وطفلاً يفقد جزءاً من عمره قبل أن يبدأ.
كل صاروخ يضرب يصيب جيوب الفقراء فى مقتل بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز، والأرقام التى رُصدت منذ انطلاق الحرب مخيفة.
اشتعلت أسواق الطاقة بصورة لافتة، إذ قفزت أسعار الغاز عالمياً بنحو 55%، مع تحذيرات من إمكانية تضاعف الارتفاع ليصل إلى 130% إذا استمرت المواجهات شهراً كاملاً، خاصة فى ظل مخاوف اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفى سوق النفط، صعد سعر خام برنت بنحو 10% ليبلغ 79.90 دولاراً للبرميل، بعد أن اقترب فى وقت سابق من مستوى 82 دولاراً، فيما ارتفع الخام الأمريكى بنسبة 8.2% مسجلاً 72.64 دولاراً. كما شهد الذهب- ملاذ المستثمرين فى أوقات الأزمات- قفزة بنسبة 2.6% ليصل إلى 5413 دولاراً للأونصة.
وتتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية عالمياً، إضافة إلى 20% من شحنات الغاز الطبيعى المسال. وأظهرت بيانات تتبع السفن تكدس ناقلات النفط على جانبى المضيق، وسط مخاوف من هجمات محتملة أو تعقيدات تتعلق بتأمين الشحنات.
وفى المحصلة، تبدو الدول الفقيرة هى الأكثر عرضة لتحمل كلفة هذه التطورات، إذ تتحول حرب السلاح سريعاً إلى حرب طاقة، وهى أخطر ما يواجه الاقتصاد العالمى فى اللحظة الراهنة.
الحروب ليست نزهة سياسية، ولا وسيلة لاستعراض العضلات أمام العالم.
هى جراح تبقى لعقود، وتغير خرائط، وتزرع أحقاداً لا تموت بسهولة.
المؤلم أن من يدفع الثمن دائماً هم الأبرياء، بينما يبقى صانعو القرار فى مقاعدهم البعيدة عن ألسنة اللهب.
والأخطر أن يتحول إشعال المنطقة إلى لعبة توازنات، تحسب فيها المكاسب والخسائر ببرود لا يليق بحياة البشر.
الحكمة وحدها هى القادرة على كسر هذه الدائرة. أما التهور، فنتيجته واحدة: مزيد من النار... ومزيد من الندم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض