رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

محمد فودة يكتب: د. سعاد كفافي ملحمة عطاء.. وإرادة صلبة صاغت المستحيل

الدكتورة سعاد كفافي
الدكتورة سعاد كفافي والإعلامي محمد فودة

قاهرة المستحيل صنعت نموذجا يُحتذى به في البناء والإدارة بعبقرية التخطيط وروح الأمومة القيادية
جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. تاج الإنجاز وأيقونة المشروع الذي تحدى المستحيل
صرح أكاديمي جسد الحلم واقعا.. وحول الفكرة إلى مؤسسة راسخة الأركان
خالد الطوخي.. استمرارية الرؤية وصلابة المسار
يحمل الأمانة بعقل استراتيجي.. ويواصل مسيرة البناء بثقة واقتدار
الطوخي يقود الجامعة نحو أفق عالمي أكثر اتساعا وتأثيرا ويسير على خطى قاهرة المستحيل 
توسعات مدروسة تعزز المكانة.. وترسخ الجامعة مركزًا للإشعاع العلمي والبحثي في المنطقة

هناك بعض الأسماء التي تظل عصية على الغياب، حاضرة في الوجدان وكأنها لم ترحل يوما، تضيء الدروب وتلهم الأجيال، وتترك وراءها إرثا لا يقاس بالزمن أو المكان، ود. سعاد كفافي مثال حي على هذه الأسماء، امرأة صنعت من التعليم رسالة، ومن التحدي إنجازا خالدا، لتظل بصمتها حاضرة بيننا إلى الآن، ففي الثالث من مارس من كل عام، تعود إلى الذاكرة سيرة سيدة لم تكن عابرة في مشهد التعليم المصري، بل كانت حجر الأساس في مرحلة فارقة من تاريخه، سيدة آمنت بأن المستحيل كلمة تقال فقط لمن يخشى المحاولة، الدكتورة سعاد كفافي، التي استحقت عن جدارة لقب “قاهرة المستحيل”، ليس لأنه لقب مجازي، بل لأنه توصيف دقيق لمسيرة حياة كاملة خاضتها بإرادة صلبة ورؤية لا تعرف التراجع.


وحين نتأمل مسيرتها، ندرك أننا لا نتحدث كيانات تعليمية فحسب، بل عن فلسفة متكاملة في التفكير والإدارة، وعن إيمان عميق بأن التعليم هو السلاح الأهم في معركة بناء الأوطان، لم يكن الطريق الذي اختارته سهلًا، ولم تكن الظروف المحيطة في تسعينيات القرن الماضي مهيأة بالكامل لاستقبال فكرة التعليم الخاص بروح منفتحة، لكن الدكتورة سعاد كفافي لم تكن من أولئك الذين ينتظرون اكتمال الظروف، بل كانت تصنع الظروف بنفسها، وتفتح الأبواب التي أُغلقت طويلًا أمام الطموحين.

بدأت الحكاية من مدينة السادس من أكتوبر، تلك المدينة التي كانت آنذاك في طور التشكّل والنمو، فاختارتها مسرحا لحلمها الكبير، وكأنها أرادت أن يتوازى نمو المكان مع نمو الفكرة، ففي عام 1990، أطلقت المعهد العالي للسياحة والفنادق، واضعة أول لبنة في مشروعها التعليمي، لتؤكد أن القطاع السياحي – بوصفه أحد أعمدة الاقتصاد المصري – يحتاج إلى كوادر مدربة تعليما أكاديميا متطورا، لم يكن ذلك قرارًا إداريا عابرا، بل قراءة واعية لاحتياجات المجتمع وسوق العمل، ثم واصلت مسيرتها عام 1993 بتأسيس المعهد العالي للهندسة المعمارية وإدارة الأعمال، واضعة بذلك حجرًا جديدا في صرح التعليم العالي، ومؤكدة أن التنمية العمرانية والاقتصادية لا تنفصل عن جودة التعليم المتخصص، كانت خطواتها محسوبة بدقة، لكنها في الوقت ذاته جريئة إلى حد بعيد، إذ اقتحمت مجالات تحتاج إلى رؤية طويلة المدى واستثمارات كبيرة وثقة لا تهتز في المستقبل.

وجاءت اللحظة الفارقة عام 1996، حين أعلنت عن تأسيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتصبح واحدة من أوائل الجامعات الخاصة في مصر التي تسعى إلى تقديم نموذج تعليمي بمواصفات عالمية. لم تكن الجامعة مجرد إضافة رقمية إلى قائمة المؤسسات التعليمية، بل كانت مشروعا متكاملا يحمل رؤية واضحة، تخريج أجيال قادرة على المنافسة، ومؤهلة للقيادة، ومسلحة بالمعرفة والتكنولوجيا.

منذ اللحظة الأولى، وضعت الدكتورة سعاد كفافي معايير صارمة للجودة الأكاديمية، فلم تسمح بأن يكون التعليم الخاص مرادفا للتساهل أو البديل الأقل صرامة، بل على العكس، كانت حريصة على أن تثبت أن المؤسسة الخاصة يمكن أن تكون أكثر انضباطًا وتطورًا إذا ما توافرت لها الإدارة الرشيدة والرؤية الواضحة، لذلك اهتمت باستقطاب نخبة من أعضاء هيئة التدريس، وحرصت على تحديث المناهج بصورة مستمرة، وربطها بالمعايير الدولية.

ومن أبرز معالم هذا الصرح العلمي، المكتبة المركزية الحديثة التي أُنشئت لتكون واحدة من أكبر المكتبات الجامعية في مصر، لم تكن المكتبة مجرد مبنى ضخم يضم أرففا من الكتب، بل كانت مساحة حقيقية للبحث والاكتشاف، تحتوي على آلاف المراجع والدوريات العلمية وقواعد البيانات الحديثة، لتمنح الطالب أدوات البحث العلمي الرصين، حيث كانت تؤمن أن الجامعة التي لا تملك مكتبة قوية لا يمكن أن تصنع باحثين حقيقيين، وأن المعرفة لا تُختزل في المحاضرة وحدها.

ولم تقتصر رؤيتها على الجانب الأكاديمي البحت، بل امتدت إلى بناء بيئة تعليمية متكاملة، توفر للطلاب مساحات للإبداع في الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية. كانت ترى أن الجامعة ليست مصنعا للشهادات، بل فضاء لتشكيل الشخصية وصقل المهارات واكتشاف الطاقات الكامنة. ولهذا، حرصت على أن تكون الحرم الجامعي بيئة نابضة بالحياة، تجمع بين الانضباط والحرية المسؤولة.

واجهت الدكتورة سعاد كفافي تحديات جسيمة، سواء على المستوى الإداري أو التشريعي أو حتى المجتمعي، إذ لم يكن تقبل فكرة التعليم الخاص أمرا مفروغا منه في بداياتها، لكن شخصيتها القيادية وقدرتها على التفاوض والإقناع، إلى جانب إصرارها الذي لا يعرف التراجع، مكناها من تجاوز هذه العقبات واحدة تلو الأخرى، اذ كانت تؤمن أن كل أزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة التقييم والتطوير، ولذلك لم تكن التحديات سببا للتوقف، بل دافعا للمضي قدما.

لقد جمعت بين الحزم والإنسانية في إدارتها، فكانت قريبة من طلابها، تستمع إلى آرائهم، وتتابع تفاصيل العملية التعليمية باهتمام شخصي. هذا القرب الإنساني منحها مكانة خاصة في قلوب كثيرين، فلم تكن مجرد رئيسة جامعة، بل كانت أما روحية لمؤسسة كاملة، تفرح لنجاح أبنائها كما لو كان نجاحا شخصيا لها، وعندما رحلت عن عالمنا، لم يكن رحيلها خسارة لعائلتها أو لجامعتها فحسب، بل للقطاع التعليمي المصري بأسره، فقد فقدت الساحة الأكاديمية شخصية نادرة جمعت بين الرؤية الاستراتيجية والالتزام الأخلاقي، وبين الجرأة في اتخاذ القرار والحرص على الصالح العام، غير أن الإرث الذي تركته كان كفيلًا بأن يستمر تأثيرها، لأن المؤسسات التي تبنى على قيم راسخة لا تسقط برحيل مؤسسيها.

ويواصل خالد الطوخي، رئيس مجلس أمناء الجامعة، المسيرة التي بدأتها والدته، مستندا إلى الأساس المتين الذي أرسته، حيث استطاع أن يحافظ على ريادة الجامعة، وأن يدفع بها إلى آفاق جديدة من التطوير، سواء عبر تحديث المعامل والقاعات الدراسية، أو عبر عقد شراكات أكاديمية مع جامعات ومؤسسات دولية مرموقة.

وفي عهده، توسعت الجامعة في دعم البحث العلمي، وأصبحت أكثر انخراطا في مشروعات ابتكارية تخدم المجتمع، كما تم التركيز على تطوير طرق التدريس لتواكب التحول الرقمي ومتطلبات الثورة الصناعية الرابعة، لم يكن هذا التطوير قطيعة مع الماضي، بل امتدادا طبيعيا لرؤية بدأت منذ عقود، رؤية تؤمن بأن التعليم عملية متجددة لا تعرف الجمود.

لقد أثبت خالد الطوخي أنه خير خلف لخير سلف، فحمل الأمانة بوعي وإخلاص، وعمل على تعزيز المكانة المحلية والدولية للجامعة، لتظل اسما لامعا في خريطة التعليم العالي في مصر والمنطقة العربية، وعمل على توسعات للجامعة بأكتوبر، كما سيتم انشاء فرع جديد للجامعة بالأقصر، وهكذا تستمر الحكاية، لا بوصفها ذكرى سنوية عابرة، بل مسيرة ممتدة عبر أجيال.

وفي ذكرى ميلاد الدكتورة سعاد كفافي، نستحضر تجربة إنسانية ملهمة، تؤكد أن الإرادة قادرة على تغيير الواقع، وأن الحلم إذا اقترن بالتخطيط والعمل الدؤوب يتحول إلى إنجاز ملموس، لقد علمتنا أن النجاح ليس ضربة حظ، بل نتيجة إيمان عميق بالرسالة، وصبر طويل على الطريق، وستظل صورتها حاضرة في أروقة الجامعة، في قاعات المحاضرات، في المكتبة التي احتضنت آلاف الباحثين، وفي كل طالب حمل شهادته وانطلق إلى سوق العمل مسلحا بالعلم والثقة، وستبقى “قاهرة المستحيل” عنوانا لمرحلة صنعت فيها امرأة مصرية نموذجا يحتذى به في القيادة والريادة.
رحم الله الدكتورة سعاد كفافي، وجعل كل علم نافع خرج من مؤسساتها في ميزان حسناتها، ولتظل ذكراها مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن التعليم هو الطريق إلى مستقبل أكثر إشراقا لمصر والأجيال القادمة.