الزكاة والصدقة وموائد الرحمن
«رمضان».. شهر التكافل الاجتماعى
يعد شهر رمضان المبارك من المناسبات الدينية المهمة والمعظمة فى الشريعة الإسلامية، فهو موسم الخير الذى يدخل السرور على كل بيت مسلم، كما أن الرحمات والنفحات والمغفرة للذنوب والعتق من النيران تتنزل فى هذا الشهر العظيم، فبقدومه يفرح الفقير والغني؛ فالفقير يسعد بالخير الكثير الذى يعم عليه وعلى أهل بيته من طعام وشراب والغنى يسعد بحسنات كثيرة جزاء ما أخرجه من صدقة وما فعله من موائد الرحمن التى يأخذ عليها ثواب إفطار صائم، قال تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (يونس: 58).
وأكد عدد من علماء الأزهر الشريف أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم بيّن لأصحابه أنَّ هناك بعض الأزمنة كالأيام والليالى والشهور تتنزل فيها الخيرات، وتقبل فيها الدعوات، وترفع فيها الدرجات، بفضل الصدقات وإقامة موائد الرحمن وإخراج الزكاة وغيرهم، وهو ما يسمى بالتكافل الاجتماعى، حيث ورد فى حديث محمد بن مسلمة الأنصارى رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِى أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا» رواه الطبرانى فى «المعجم الأوسط» و«المعجم الكبير».
مظاهر التكافل الاجتماعي
قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية السابق، إن هناك مظاهر التكافل الاجتماعى فى شهر رمضان المبارك، منها إخراج شُنَط رمضان، والسعى إلى إخراج الزكاة فى وقتها، وإلى مصارفها المحددة التى وضحتها الشريعة الإسلامية فى قوله سبحانه: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 60).
وأوضح «علام» أن الشريعة الإسلامية جعلت الفقراء والمساكين فى صدارة مصارف الزكاة؛ لبيان أولوياتهم فى استحقاقها، كما أن الأصلَ فيها كِفايتُهم وإقامةُ حياتِهم ومَعاشِهم، ولذلك خَصَّهُم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فى حديث إرسال معاذٍ رضى الله عنه إلى اليمن بقوله: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» رواه الشيخان.
وأكد مفتى الجمهورية السابق أن الأصل فى الزكاة أنْ تُعطَى للفقير مالًا، فإذا أراد إعطاؤها إياه على هيئة مواد غذائيةٍ يجب أن يُراعَى فى ذلك ما يحتاجه الفقير حاجةً حقيقيةً.
دور الصدقة
وقال الشيخ رمضان عبدالرازق، إن هناك مجموعة من الأمور التى يمكن أن تغيير قدر المسلم، مثل الدعاء والتسبيح والسعى وعدم التوكل، فضلًا عن إخراج الصدقة، مؤكدًا أنها من أعظم صور التكافل الاجتماعى فى شهر رمضان المبارك، كما أن أمرها عظيم فى الإسلام فهى أعظم ما تفتح الأبواب المغلقة، حيث جاء عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمين ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (أخرجه البخاري).
كما جاء عن عائشة رضى اللَّهُ عنها قالت: جَاءَتنى مِسْكِينَةٌ تَحْمِل ابْنَتَيْن لَهَا، فَأَطعمتُهَا ثَلاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلى فِيها تَمْرةً لتَأكُلهَا، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمْرَةَ الَّتى كَانَتْ تُريدُ أَنْ تأْكُلهَا بيْنهُمَا، فأَعْجبنى شَأْنها، فَذَكرْتُ الَّذى صنعَتْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ الله قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجنَّةَ، أَو أَعْتقَها بِهَا من النَّار»ِ.
وروى الإمام مسلم فى «صحيحه» عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جارِيةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أَو وَلَدٍ صالِحٍ يَدعُو لَهُ».
موائد الرحمن
وأكد الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن موائد الرحمن لها فضل عظيم وأثر كبير فى التكافل الاجتماعى بشهر رمضان، حيث يقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» رواه الترمذى عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضى الله عنه وقال: حديث حسن صحيح.
وعن سلمان الفارسى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ فَطَّرَ فِيهِ -أى فى رمضان- صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِه وَعِتْقَ رَقَبتَهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ»، قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يُفَطِّر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُعْطِى الله هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ أَوْ عَلَى شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ» أخرجه ابن خزيمة فى «صحيحه».
وأوضح «جمعة» أن الأحاديث الصحيحة أثبتت عظيم ثواب من فطر الصائم، ولِعِظَمِ هذا الثواب صار دعاءً يُدْعَى به ويُرجَى قبولُه من الله؛ حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا طَعِم عند أحد من الناس: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ» رواه أبوداود والنسائى وابن ماجه وصححه ابن حبان.
وأضاف مفتى الجمهورية الأسبق أنه ينبغى على المسلم أن يتنبه إلى ضرورة إخلاص النية لله تعالى فى ذلك وأن يكون قصده رضا الله تعالى لا رياءً ولا سمعة حتى يكون عمله مقبولًا عند الله سبحانه.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض