(خارج السرب)
هى مسارات تلج بك عالمًا شعريًا مفعمًا بالمشاعر والأحاسيس والتساؤلات المختلطة ما بين حب وشوق وفقد وإحساس وغيرة وسخرية وشجن وحنين وحزن. تجد لافتة على كل مسار من هذه المسارات تعتقد فى البداية أنها سوف تدلك أو تجيب عن تساؤلاتك ولكن هيهات إذ تجد نفسك أمام إشكالية جديدة، فلافتة تلك المسارات عبارة عن ضمائر ما بين متكلم وغائب، فثمة مسار بعنوان «أنا» وآخر بعنوان «هى» وثالث بعنوان «ليس هو»، وكل مسار منها يقودك إلى عالم مغاير تمامًا مقارنة بالآخر، ورغم اختلاف المسارات فمعينها واحد هو إحساس الشاعرة الراقى.
مبدعة تلك المسارات هى سمية عبدالمنعم، الشاعرة والأديبة الفذة، وهى مسارات تصفها بأنها فى اتجاه الروح تجوب من خلالها عالمًا من اللآلئ الشعرية النثرية فى آن واحد ذات زخم كثيف من الصور والأخيلة وتتابع الألفاظ المعبرة لا يكاد يلتقط فيه القارئ أنفاسه من فرط تعاقبها الحسى الشعورى وإثارتها للدهشة إذ تصوغ عالمها الشعرى هذا من خلال صلات جديدة بين الكلمات فى تراكيب مبتكرة لا تتصور أن بها علاقة من قبل: «اصمت علك تسمع صوت صمتي».
استخدام الشاعرة الضمائرعنوانًا لمساراتها الروحية ذو دلالة، فما بين المتكلم «أنا» لا تدرى فى سطورها الشعرية إن كانت تتكلم عن «أنا» الشاعرة، أم أنا «المرأة»، أم أنا «كل إنسان بغض النظر عن جنسه» أم أنا القارئ الذى عندما يقرأ تلك السطور يشعر بأنها سطوره، تجاربه أو قل آلامه، فـ»أنا» يعنى الحضور، لكنه حضور منقوص ليس مكتملًا، حضور يعانى، تارة من الحب الضائع؛ الفقد، الحنين، الاشتياق، الغربة، كثير من المشاعر التى تجتاح قلبًا مثلومًا.
أما مسارت الـ«هو» فلها مدلول رمزى بلاغى حيث إن ضمير الغائب قد منحها قدرة على تشكيل المسافة بينها وبين المعنى، فالضمير موجود لكن صاحب الضمير غائب ما يعنى إضفاء ثنائية الحضور والغياب فى ظلال المعنى، فالشخص غائب لكن المشاعر التى يخلفها غيابه تجتاح القلب، وذكرياته حاضرة بقوة تفعم القلب بمشاعر قوية ما بين الحزن والثكل والأسى، وهذه الازدواجية تمنح اللغة مرونةً فى التعبير ولكنها تضفى غموضًا يجعل المتلقى فى حالة تساؤل دائمة ما يمنح الديوان سحرًا يجعله يقرأ بيتًا إثر بيت دون ملل.
اللغة المسرودة فى النص لغة تتكون من كلمات من مدارات شتى بين ألفاظ رصينة: «هكذا صرت تتبع غواية قلبى تعلمنى السر وأخفى»، وألفاظ معاصرة «النهار يرتدى بذلته البيضاء وبيبيونته الموف»، فى نسيج مبتكر جديد ولكنك تشعر بأنه مألوف مقبول الدلالة من خلال دقة صياغة التراكيب والصور والأخيلة وبالطبع تطوف تلك الكلمات فوق سحائب من المشاعر الفياضة التى قد ترعد أحيانًا فتجعل قلبك يخفق من قوة المعنى وجلاله بينما تصفو أحيانًا فتفعم قلبك بالمشاعر الرقيقة والأخيلة السامية فتحلق معها فى آفاق رحيبة تسع الكون بل الوجود بأكمله.
وقد تنعطف على مسار آخر هو مسار «ليس هو» لتلتقى ثانية بازدواجية الحضور والغياب فـ»هو» فى هذا المسار يمثل نماذج قد يلتقيها كل إنسان منا فى حياته ما بين حضورعابر وحضور خائن وحضور غير متكافئ ولكن كل حضور منها نهايته التلاشى والغياب من حياتنا قد يترك أثرًا عميقًا أو لا يترك أثرًا من الأساس فهو ليس ما كنا نتمناه أو نأمله فهو واللاشيء سواء.
إذن، ما بين مسارات الغائب الحاضر التى أبدعتها الشاعرة التى تقابلك وأنت تلج عالمها الشعرى الفريد ممتطيًا عربة من الأخيلة والتراكيب القوية حيث لا زمان ولا مكان، فقط سرمدية من الوجود الشعرى الراقى المفعم بأحاسيس ومشاعر متباينة متداخلة لا تجد مفرًا إزاءها سوى الإعجاب.
هى مجموعة قصائد تحتضن كل عناصر القصيدة النثرية الحرة. سواء فى البناء دون التقيد بوزن أو قافية أو تفعيلة، بل إن ما يقيدها هو الشعور الحر المرهف النابع من القلب والوجدان، فالشاعرة تكتب عندما يستحوذ عليها شيطان الشعر، فتطل علينا حينذاك سطورها الشعرية من حيث لا تدرى، فتصيغ عالمًا شعريًا بلآلئ منثورة، ولكنه ياللغرابة تشعر عندما تقرؤه بأنه عالمك أنت وليس هى وتتساءل كيف خبرت عالمك ووصفته بهذه الدقة الفائقة؟!
أعدك عندما تنتهى من قراءة ديوانها أنك ستشعر بأن ثمة شيئًا ما قد تغير فيك.. فى إحساسك.. فى شعورك.. فى نظرتك للأنا وللـ»هو».. بل وللوجود بأكمله.. لعله تأثير مساراتها الشعرية... ربما.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض