شهد العالم خلال العقود
الأخيرة تحولات فارقة أعادت رسم خريطة القوة الاقتصادية والمعرفية في العالم، بينما وجد العالم العربي نفسه في موقع الساعي للحاق بركب هذه التحولات المتسارعة. فبينما تمكنت القوى الكبرى من بناء اقتصادات قائمة على الابتكار والتكنولوجيا والمعرفة، ما زالت معظم الاقتصادات العربية تواجه تحديات هيكلية أعاقت اندماجها الكامل في الاقتصاد العالمي الجديد. ولم تعد الفجوة بين الدول العربية والمتقدمة مقتصرة على معدلات النمو الاقتصادي، بل امتدت إلى ميادين التعليم، والبحث العلمي، والتطور التكنولوجي، وهو ما حدّ من قدرة المنطقة على الإسهام المؤثر في حركة التقدم الدولي، والابتعاد عن مراكز صنع القرار ورسم السياسات الدولية.
الاقتصاد الريعي وتراجع التنوع الإنتاجي
يعود جانب كبير من هذا التأخر إلى الاعتماد المفرط على الاقتصاد الريعي، حيث شكل النفط والغاز وتحويلات العاملين في الخارج المصدر الأساسي للدخل القومي في عدد من الدول العربية، الأمر الذي جعل اقتصاداتها أكثر عرضة للتقلبات العالمية، وأقل قدرة على تحقيق التنوع الإنتاجي المستدام. كما بقيت معظم الصناعات العربية ذات طابع تقليدي، تعتمد على الاستيراد أكثر من التصدير، ما قلّل من قدرتها التنافسية. وعلى الرغم من أن نسبة الشباب في العالم العربي مرتفعة، فإن معدلات البطالة لا تزال مرتفعة، ما يعكس خللاً في السياسات الاقتصادية والتعليمية التي لم تنجح بعد في مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل الحديث.
الحوكمة والمؤسسات كعوائق داخلية أمام التنمية
إلى جانب ذلك، يشكل ضعف الحوكمة في المؤسسات الرسمية واختلال منظومة اتخاذ القرار أحد أبرز العوائق أمام التنمية المستدامة، إذ أدى ذلك إلى بيئة استثمارية غير محفزة، وقلل من فاعلية المؤسسات الاقتصادية والإدارية. كما أن ضعف الإنفاق على البحث العلمي ساهم في تكريس الفجوة المعرفية، حيث لا تتجاوز مخصصاته في أغلب الدول العربية 1% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تصل إلى ما بين 3% و5% في الدول الصناعية الكبرى. ونتيجة لذلك، ظل الابتكار محدوداً، والتكنولوجيا في معظمها مستوردة تُستخدم ولا تُنتج، ما عمّق التبعية التقنية وأضعف القدرة على المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
أزمة التعليم ومحدودية المهارات
أما في المجال التعليمي، فما زالت الأنظمة التربوية العربية معتمدة على الحفظ والتلقين، بعيدة عن منهجيات التفكير النقدي والإبداعي. وتفتقر كثير من البرامج التعليمية إلى التفاعل الحقيقي مع متطلبات الاقتصاد الرقمي ومهارات المستقبل، وهو ما أدى إلى فجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. كما أن البنية التحتية الرقمية، رغم بعض الجهود المبذولة لتطويرها، لا تزال دون المستوى المطلوب لمواكبة التطورات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
التحول نحو اقتصاد المعرفة
ولكي يتمكن العالم العربي من الانتقال إلى مرحلة جديدة، لا بد من إعادة صياغة الرؤية الاقتصادية على أسس إنتاجية قائمة على المعرفة. فالتحول نحو اقتصاد متنوع يعتمد على التكنولوجيا والصناعة يتطلب استثماراً جاداً في المورد البشري، من خلال تطوير منظومات التعليم والبحث العلمي وربطهما ارتباطاً عضوياً بقطاعات الاقتصاد الحديثة. كما يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يقوم على الشفافية والمساءلة، بما يتيح بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة للاستثمار، قادرة على استقطاب العقول والكفاءات.
إرادة التغيير
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في ندرة الموارد، بل في غياب الإرادة الجماعية لتبني نموذج تنموي جديد يستند إلى الابتكار والإنتاجية. فالعالم العربي يمتلك طاقات بشرية شابة وثروات طبيعية ضخمة، لكنه بحاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة تُدرك أن المستقبل لا يُنتظر بل يُبنى بالعلم والإرادة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
في نهاية المطاف، الفارق بين التقدم والتأخر لن يُقاس بحجم الموارد بقدر ما سيُقاس بقدرة الأمم على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة. التأخر العربي ليس بالقدر المحتوم، بل هو نتيجة لمسار يمكن تغييره. ولكن يبقى السؤال الأهم عما إذا كان المنطقة العربية تمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية التي تمكّنها من إعادة تموضعها في المشهد العالمي الجديد، والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستتحول إلى مركز الفاعل في الاقتصاد العالمي أم تبقى خارج دائرة التطور التي يشهدها العالم المعاصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض