كم تمنيت لو كان بوسعي في هذه الحياة أن ألتقي أبانا"آدم"
وأمنا"حوَّاء"لهما منَّا كل السلام والمحبة؛إذْ يشغلني كثيراً كيف كان شأنهما وتربية هذه الذريَّة على أداء ما افترضه الله من فرائض كالصيام مثلاً، وكلنا يعلم أن الصيام فريضةٌ سبق فرْضُها على الذين من قبلنا:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وليس هذا كلَّ تساؤلي الملحِّ الذي لا يفارقني؛بل كنت سأتطرق متعجِباً عن أول أيامهما على هذه الأرض كيف قضياه؟!!،
وكيف تعاملا مع ما حولهما من عناصرَ وكائناتٍ!!
..لقد صحبتْني تلك التساؤلاتُ كثيراً، واستلهمتُها في الكثير من قصائدي،رغُم أن القضيةَ محسومةٌ؛"فأبي"آدم"وأمي
"حوَّاء"خُلقا للاستخلاف في الأرض إلَّا أنهما قد مرَّ بهما الكثيرُ والكثيرُ مما لم يكن لهما به سابقُ خبرةٍ أو عهدٌ..!!
ولأن الصيامَ يحتاج إلى تدريب الصغار دونما تعسُّفٍ؛كي لا يجتمع عليهم مشقَّتان:مشقة العَسَفِ ومشقة الجوع،فلا يملكون إزاءهما سوى تحيُّن أوقات غفْلة الكبار في إشباع جوع البطون دون اكتراث لغيْظهم أو تهديدهم؛فالأمر يحتاج تدريباً وتدرُّجاً؛إذْ كان الصحابة رضوان الله عليهم يعوِّدون أبناءهم على الصيام وهم صغار، ففي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ الأنصارية قالت: (فكنَّا نصومه "عاشوراء" بعد ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار)،
واللعبة من العِهْنِ أي الصوف المصبوغ ...أقول ذلك متذكِّراً ما كان يحدث لي من أبي وأمي من تشجيعٍ واحتفالٍ كلما أكملتُ يومي صائماً؛إذْ بدأت ذلك ما بين الصفين الثاني والثالث الابتدائي،ولم أزلْ ذاكراً ما كان يحدث منِّي والرفاق الذين زاملوني في الصيام من سخريةٍ بمن يكبروننا سنًّا أو يساووننا ولم يستطيعوا كبْحَ حاجتَهم إلى الطعام،وانكشف لنا إفطارُهم...
عندها كانت الطامةُ التي تستدعي ذلك النشيد الجماعي:
(يا فاطر رمضان ياخاسر دينكْ**كلبتنا السودة هتاكل مصارينكْ)
...أَجَلْ كان نشيداً يحمل من التجريس والتهديد بشراسة الكلبة السوداء في عقوبتها لكل من أفطر،ولانهمل الإشادة بأنفسنا وبكلِّ مَن صام مثلنا فنستكمل نشيدنا:
(ياصايم رمضان يا موحِّدْ ربّكْ**كلبتنا البيضا تبوسك من خدّكْ!!)لم نفكّرْ ساعتها في نجاسة الكلاب،وهل يَحْرُم على الصائم رضاه بقُبٔلةِ الكلبة البيضاء،وما بين الإشادة والتجريس يمر وقت العصر سريعاً ليقطع ذلك كله مدفع الإفطار فيلحق كلٌّ منا بمنزله ليغنم ما تصطفيه أمه من لذيذ الطعام والشراب ليُعاودَ
الخروجَ مسرعاً ملتحِقاً بموكب حملة الفوانيس ذات الشموع المشتعلةوأنشودة(حاللو...
ياحاللو) التي دوماً ينهيها أذانُ العِشاء والتراويح وصوت الشيخ"محمد الديب"في مسجد الحاج"إبراهيم بركات"بشارع"أم السلطان"
حي"الورديان" السكندريِّ؛ليستلقي بعدها الجميعُ على فُرِشِهم لا يشغلهم شاغلٌ سوى أنهم في الغد سيعاودون صيامَهم وأناشيدَهم!!!
أَجَلْ...ظللنا على هذه الحال حتي حلَّ بالوطن ماجرى في يونيو 67 ولذلك حديثٌ آخَر...!!
"في بيت أُمِّي صورتي ترنو إليَّ...ولا تكفُّ عن السؤالِ:أأنت، يا ضيفي، أنا!!!/هل كنتَ في العشرين من عُمري،بلا نظَّارةٍ طبيةٍ،وبلا حقائبَ!!...كان ثُقْبٌ في جدار السور يكفي كي تعلِّمك النجومُ هواية التحديق في الأبديِّ...
:[ما الأبديُّ؟ قُلتُ مخاطباً نفسي]...!!
-ويا ضيفي... أأنتَ أنا كما كنا!!!..فمَن منا تنصَّل من ملامحِهِ!!!...أتذكُرُ حافرَ الفَرَس الحرونِ على جبينكَ...أم مسحتَ الجُرحَ بالمكياج كي تبدو وسيمَ الشكل في الكاميرا
..أأنت أنا!!! أتذكُرُ قلبَكَ المثقوبَ بالناي القديم وريشة العنقاء!!!..أمْ غيّرتَ قلبَك عندما غيّرتَ دَربَكَ!!!"
وتأتي قصيدة(في بيت أمي)
للرائع"محمود درويش"مفعمةً بما لا يُحدُّ من مشاعر الحنين بدءاً من العنوان الذي يشي بمركزية الأرض/ الأم؛إذْ أن بيتَ الأم نقطةٌ مركزيةٌ قام عليها بناء القصيدة حيث يلتقي بصورة قديمة معلَّقة/ماضيه المتروك خلفه وحوارٌ عاتبٌ مليءٌ بالتساؤل أأنتَ...أنا مكرَّراً ثلاث مراتٍ..أتغيَّرتَ..أمْ مازلتَ ذات الشخص الذي أنا صورته؟!!!هناك فجوةٌ بين ماكان عليه الشاعر والآن من تقدُّم العمر.. والاحتياج للنظَّارة وحقائب السفر والغربة التي اختطفتْه، ولا تكفُّ الصورةُ عن اللوم حيث ترى أنه كانت لديه فرصةٌ ومساحةٌ يمكنها استبقاءه بدلا من الاغتراب والسير خلف حيرته لاستجلاء الأبديِّ ولم تزل حيرته مثلما سافر..!!!ليبدأ النبْش في ذاكرة الشاعر وتذكيره بأثر جرحٍ قديم فهل استطاع محوَ أثرٍ ظاهريًّ؟!! وإن أمكن فهل يمكن محوُ ما حمل القلبُ من ألمٍ مُجدَّدٍ من بوح الناي وذكرى ريشة العنقاء الثاقبةِ قلبَه؟!!
ورغم بساطة اللغة إلا أنها شديدة العمق تحمل من الدلالات والرموز ما جعلها شديدة الثراء من خلال حوارٍ كاشفٍ عن شديد معاناته سواءً في قرار السفر أو زمن الغربة...
لتلازمه المعاناة حال عودته وعتاب الماضي المتمثِّل في صورةٍ قديمةٍ
ليأتي صوت الشاعر متحدثاً بلسان الحاضر بعدما أفرد للماضي مساحته دونما مضايقةٍ أو افتئاتٍ على حق الذكريات في البوح بمكنون الصدور...ويكون الختام دفاعاً عن قرار السفر والرغبة الحثيثة في البحث عن الأمل والحياة،وكيف يعود المسافر إذا كان يريد انسلاخاً من ماضيه أو تنكُّراً له!!!
"قلتُ: يا هذا، أنا هو أنت
لكنِّي قفزتُ عن الجدار لكي أرى ماذا سيحدث لو رآني الغيبُ أقطِفُ من حدائقِهِ المُعلَّقةِ البنفسجَ باحترامٍ...
ربّما ألقى السلام، وقال لي: عُدْ سالماً...
وقفزتُ عن هذاالجدار لكي أرى...ما لا يُرى
وأقيسَ عُمْقَ الهاويةْ"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض