رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

يشهد العالم في أوائل عام 2026 تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ إدارة الأزمات الصحية، فمع إتمام الولايات المتحدة انسحابها الرسمي من منظمة الصحة العالمية، لم يعد المشهد يقتصر على مجرد خلاف دبلوماسي، بل تطور إلى إطلاق واشنطن استراتيجية "أمريكا أولاً" للصحة العالمية بتمويل ضخم يبلغ ملياري دولار سنوياً. 

 

هذه الخطوة لا تمثل مجرد إعادة توجيه للأموال، بل هي عملية هدم وإعادة بناء شاملة للطريقة التي يتعامل بها العالم مع الأوبئة والأمراض.

أولا: "شبكة رصد" بصبغة أمريكية خالصة

بدلاً من ضخ الأموال في خزائن وكالة تابعة للأمم المتحدة، اختارت واشنطن توظيف ملياري دولار لبناء شبكتها العالمية المستقلة لمراقبة الأمراض والاستجابة السريعة، وتحت إشراف مباشر من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، تسعى هذه الشبكة لنسج اتفاقيات ثنائية مع أكثر من 130 دولة. 

النتيجة الفعلية لهذا التحرك هي خلق كيان موازٍ لمنظمة الصحة العالمية، لكنه يدور حصرياً في فلك المصالح الأمريكية، مع منح الأولوية المطلقة لسرعة وصول البيانات إلى واشنطن.

ثانيا: رهان الكفاءة والتكنولوجيا

يرى مهندسو هذه الخطة والمدافعون عنها أن النظام متعدد الأطراف أصبح مكبلاً ببيروقراطية خانقة،  ومن خلال الاعتماد على مذكرات التفاهم الثنائية، تملك الولايات المتحدة الآن القدرة على ربط التمويل مباشرة بتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

علاوة على ذلك، تُعول الاستراتيجية الجديدة بقوة على حشد قدرات القطاع الخاص والابتكارات الأمريكية، مثل الطائرات الطبية بدون طيار (زيبلاين) وأنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

هذه الأدوات، إلى جانب شبكات الرعاية الخاصة، أثبتت غالباً قدرة أكبر على اختراق المناطق النائية في أفريقيا وجنوب شرق آسيا مقارنة بالعيادات الحكومية التقليدية.

الهدف الأسمى هنا هو "الأمن البيولوجي"؛ أي التركيز على الوظائف الأساسية مثل شبكات المختبرات لاحتواء أي جائحة مستقبلية في مهدها، قبل أن تجد طريقها إلى السواحل الأمريكية.

ثالثاً: فخ العزلة وتسييس الدواء

في المقابل، تدق الأوساط الطبية العالمية ناقوس الخطر، الخشية الكبرى تكمن في تمزيق شبكة البيانات العالمية الموحدة واستبدالها بما يصفه الخبراء بـ "جزر البيانات المعزولة".

"السيناريو الكارثي" هو ظهور فيروس جديد ومميت في دولة لا تمتلك اتفاقية ثنائية مع واشنطن، مما قد يؤدي إلى حجب المعلومات الحيوية عن المجتمع الدولي حتى يفوت الأوان.

التداعيات تمتد أيضاً إلى البرامج الصحية المستقرة، فالخطة الأمريكية تتضمن نقل أعباء برامج حيوية، كمبادرة مكافحة الإيدز، إلى كاهل الحكومات المحلية، وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة من أن التسرع في هذا النقل قد يُسفر عن مليون إصابة جديدة بالفيروس (UNAIDS) بحلول عام 2030 نتيجة انهيار الخدمات.

كما تبرز اتهامات خطيرة بتحويل المساعدات الطبية إلى أداة ابتزاز جيوسياسي، ففي "زامبيا" على سبيل المثال، تعثرت المفاوضات الصحية بعد أن أشارت تقارير إلى محاولة ربط التمويل الطبي بتسهيلات لصالح شركات التعدين الأمريكية، مما يُسقط القناع الإنساني عن الخطة ليظهر وجهها النفعي.

رابعاً: حرب باردة في أروقة الطب

أحدث هذا الانسحاب فراغاً جيوسياسياً سارعت القوى الكبرى لملئه، لتتحول الصحة العالمية إلى ساحة صراع نفوذ:

 صراع القوة: تراهن واشنطن على أن ضخ ملياري دولار كـ "قوة صلبة" سيحقق نتائج أسرع بكثير من الدبلوماسية الصحية و"القوة الناعمة" التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية.

 

ارتباك الحلفاء: تحاول قوى مثل الاتحاد الأوروبي وألمانيا واليابان سد الفراغ المالي الذي خلفته واشنطن، إلا أن أزماتها الاقتصادية الداخلية تقيد طموحاتها.

 

الفرصة الذهبية لبكين: لم تفوت الصين هذه اللحظة، حيث بدأت في الترويج لمبادرتها الصحية العالمية كبديل موثوق ومتعدد الأطراف، في مسعى لاجتذاب دول الجنوب العالمي التي قد تضيق ذرعاً بالشروط الأمريكية المجحفة.

 

 مأزق الدول النامية: تجد الدول منخفضة الدخل نفسها أمام خيار مرير؛ فإما قبول التكنولوجيا الأمريكية المتطورة التي تشترط "استثماراً مشتركاً" (تمويل محلي لا طاقة لها به)، أو البقاء خارج مظلة الحماية.

خامسا ً : مقامرة محفوفة بالمخاطر

في المحصلة، تُمثل هذه الاستراتيجية أكبر تجربة لامركزية في تاريخ الصحة العالمية. نجاحها قد يولد نظاماً فائق السرعة والتطور التكنولوجي لمواجهة الأوبئة، لكن فشلها يعني المقامرة بتبديد ربع قرن من الانتصارات البشرية ضد أمراض كالإيدز والملاريا وشلل الأطفال، عبر تفتيت "الجبهة الموحدة" التي لطالما كانت خط الدفاع الأول للبشرية.

في عام 2026، لم يعد الدواء واللقاح مجرد شأن طبي، بل أصبحا العملة الأقوى في سوق التحالفات الجيوسياسية.