رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نفحات

رمضان.. ميلاد أمة

بوابة الوفد الإلكترونية

إن الزمان وعاء تودع فيه الأقدار مشيئتها، وإن من أعظم أقدار الله على هذه الأمة أن جعل «ميلادها» مرتبطًا بميلاد «النور» فى ليلة القدر. فما رمضان إلا زمن استثنائى، انشقت فيه حجب الغيب، ليتنزل الروح والأمر، فيصنع من أمة كانت «نسيًا منسيًا» خير أمة أخرجت للناس.

 

​أولًا: القرآن.. قابلة الوجود الحضاري

​إن الأمة قبل رمضان كانت جسدًا بلا روح، وهيكلا بلا غاية، حتى جاء الوحى ليقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. فكان القرآن هو «القابلة» التى ولدت هذه الأمة من رحم الجاهلية. يقول الإمام الغزالى: «إنما العلم ما أورث الخشية، وإنما الصوم ما أورث التخلية لتمتلئ الروح بالتحلية». ففى رمضان، خلت الأمة من أدران الشرك، لتحل محلها أنوار التوحيد.

​وكما قال الشاعر:

جاء النبيون بالآيات فانصرمت.. وجئتنا بحكيم غير منصرم

آياته كلما طال المدى جدد.. يزينهن جلال العتق والقدم

 

​ثانيًا: معراج الصيام وفلسفة «الميلاد الشخصى»

​إن «ميلاد الأمة» لا يتحقق إلا بـ«ميلاد الفرد» من جديد. فالصيام هو فطام النفس عن مألوفاتها، لترتقى إلى مرتبة الملائكية. يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به». وفى هذا الحديث إشارة إلى أن الصائم يولد ولادة غيبية، فينتسب بفعله إلى الله انتساب تشريف.

​يقول سفيان الثورى: «الصوم هو الصبر، والصبر هو رأس الإيمان». فإذا صام المسلم، ولدت فى نفسه إرادة قاهرة، لا يكسرها جوع ولا يغويها عطش، ومن هنا يبدأ بناء الأمة القوية؛ فالأمة التى لا تملك «نعم» و«لا» أمام شهواتها، هى أمة ميتة وإن أكلت وشربت.

 

​ثالثًا: بدر.. ولادة القوة من رحم الجوع

​لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون يوم الفرقان فى رمضان. لقد ولدت هيبة الأمة يوم أن جاعت البطون وشبعت الأرواح بذكر الله. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}. ففى رمضان، تعلمت الأمة أن النصر ليس بفرط العدد ولا بضخامة العدد، بل بصفاء القلوب التى ولدت ولادة جديدة تحت ظلال السيوف وهى صائمة.

​لقد كان السلف الصالح- رضوان الله عليهم- يرون فى رمضان فرصة لترميم ما انكسر من بنيان الأمة. يقول ابن القيم: «الصوم لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياض الأبرار». فبغير هذا اللجام، تنفلت خيول الأمة فى تيه الضياع.

 

​رابعًا: وحدة الشعور ونبض الجماعة

​إن رمضان هو «المصهر» الذى تذوب فيه الفوارق، لتعود الأمة إلى «فطرة الجماعة». حين يصدح المؤذن «الله أكبر» عند الغروب، تتوحد القلوب فى لحظة واحدة، وكأن الأمة قاطبة تولد فى تلك اللحظة من جديد. يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد». وهل يكون الجسد واحدا إلا إذا كان له نبض واحد؟ ورمضان هو ذلك النبض.

​وكأن لسان حال الأمة يقول:

أنا الإسلام أدعوكم هلموا.. لنبنى المجد فى شهر الصيام

إذا اتحدت قلوب الناس نورا.. تهاوى الظلم وانقشع الظلام

و​ختاما أقول: إن رمضان ليس مجرد «ذكرى» لميلاد الأمة، بل هو «فرصة استعادة» لهذا الميلاد. إن الأمة التى تعيش رمضان بحقيقته، لا بمجرد طقوسه، هى أمة تتجدد خلاياها، وتستعيد شبابها، وتطهر ساحتها من دنس الوهن.

​فيا باغى الخير، أقبل على ميلادك الجديد، واعلم أن من لم يولد فى رمضان ولادة تخرجه من ضيق نفسه إلى سعة ربه، فقد أخطأه القطار. اجعل من تلاوتك لقرآنك، وقيامك فى محرابك، لبنة فى بناء أمتك، فما الأمة إلا مجموع أرواحنا حين تصفو.

 

أستاذ الاستشراق ومقارنة الأديان