رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

في زحام الأزمات الدولية والصراعات التقليدية التي تملأ نشرات الأخبار، يدور خلف الستار صراع أكثر عمقاً وتأثيراً من أي مواجهة عسكرية، صراع لا تسمع فيه أصوات المدافع، لكنه قادر على إسقاط اقتصادات وإسكات دول، وتغيير موازين القوة العالمية، إنه صراع الموارد النادرة، تلك العناصر التي لا تتعدى نسبتها جزءاً ضئيلاً من القشرة الأرضية، لكنها أصبحت العمود الفقري لصناعة التكنولوجيا المتقدمة، ومنظومات التسليح، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة.

والان نرى ونسمع تحول الحديث عن المعادن النادرة خلال السنوات الأخيرة من مجرد موضوع اقتصادي إلى ملف أمن قومي، بعدما أدركت الدول الكبرى أن من يمتلك هذه الموارد يمتلك مفاتيح المستقبل، ومع دخول التكنولوجيا في كل تفاصيل الحياة العسكرية والمدنية، صارت هذه المواد أداة نفوذ لا تقل قوة عن النفط في القرن الماضي.

 

الولايات المتحدة والصين وهي مواجهة بلا هوادة

فالصراع بين واشنطن وبكين على الموارد النادرة لم يعد مسألة تجارة أو أسعار، بل أصبح معركة تحديد هوية القوة العالمية القادمة.

فالصين التي تهيمن على أكثر من 70% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالمياً، تستخدم احتكارها كسلاح جيوسياسي بالغ التأثير، وهي تسيطر ليس فقط على الإنتاج، بل أيضاً على مرحلة التكرير، وهي المرحلة الأخطر والأكثر حساسية، بينما 

في المقابل تعمل الولايات المتحدة على كسر هذا الاحتكار أياً كان الثمن، بعدما توسعت في أفريقيا، ثم تحركت في آسيا، وتحالفت مع دول أمريكا الجنوبية، لتظهر واحدة من أهم خطواتها الإستراتيجية خلال السنوات الماضية.

 

صفقة الولايات المتحدة مع البرازيل… صفعة مباشرة لأوروبا

أبرمت الولايات المتحدة اتفاقاً مع البرازيل يقضي باستحواذها الكامل على إنتاج البرازيل من المعادن النادرة حتى عام 2030، ورغم أنّ الصفقة ظهرت في صورتها العلنية كاتفاق اقتصادي، فإن مضمونها الحقيقي كان يحمل رسالة سياسية واضحة:

أمريكا تتحرك لتأمين مستقبلها الصناعي والعسكري، حتى لو كان ذلك على حساب أقرب حلفائها.

بينما أوروبا والتي كانت ترى في البرازيل البديل الأكثر أماناً لتقليل اعتمادها على الصين، فوجئت بأن واشنطن أغلقت الباب بالكامل، وتركتها في حالة عجز إستراتيجي.

وفي نظر العديد من المحللين، مثلت الصفقة أقوى صفعة اقتصادية وجيوسياسية لبرلين وباريس في ملف المعادن النادرة.

 

خريطة اللاعبين… أدوار تتغير بسرعة

الصين… سيد اللعبة المعدنية

والتي تهيمن على التعدين والتكرير معاً، وتنتشر في أفريقيا عبر قروض واستثمارات مشروطة، وتمتلك القدرة على تعطيل صناعات عالمية بكلمة واحدة.

 

 

الولايات المتحدة… قوة تحاول إعادة بناء نفسها

 

توسّعت في أمريكا الجنوبية، وتعمل على إعادة إحياء صناعات التكرير داخلياً، وتضغط على الدول المنتجة للابتعاد عن بكين والاقتراب من واشنطن.

أوروبا… اللاعب المتأخر

فهي لا تمتلك موارد كافية، وتعتمد بشكل شبه كامل على الصين، وتحاول اللحاق بالسباق، لكنها فقدت الكثير من نفوذها لصالح واشنطن وبكين.

 

تتجاوز أهمية الموارد النادرة كونها مواد تدخل في الصناعة أو التكنولوجيا المتقدمة، فهي اليوم أحد الأعمدة الرئيسية لبناء القوة العسكرية الحديثة. فهذه العناصر تدخل في تصنيع المقاتلات، خاصة الجيل الخامس، وفي أنظمة التوجيه والرادارات الدقيقة، والذخائر الذكية، والدفاعات الجوية، والمحركات عالية الكفاءة، وصولاً إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي والسوبر كمبيوتر.

ومن ثم فإن من يتحكم في هذه الموارد يتحكم في مستقبل القدرات العسكرية عالمياً، ويملك القدرة على إعادة رسم موازين القوة.

 

بينما تشير المؤشرات الدولية إلى أننا ندخل عصراً جديداً عنوانه الواضح:

من لا يمتلك المعادن النادرة، لن يمتلك التكنولوجيا، ومن لا يمتلك التكنولوجيا، لن يمتلك القوة.

وفي ضوء ذلك، يتوقع أن يشهد العالم خلال السنوات المقبلة سباقاً محموماً على إعادة تدوير المعادن النادرة، وتوسعًا في استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والاستكشاف، وارتفاعاً متزايداً في أسعار الموارد الإستراتيجية، إلى جانب محاولات لإنشاء تكتلات دولية جديدة قد تشبه في تأثيرها ونفوذها منظمة “أوبك للمعادن”.

إن هذه التطورات تجعل من حرب الموارد النادرة المعركة الحقيقية للقرن الحادي والعشرين، معركة لا تُخاض بالدبابات، بل بالإمدادات الإستراتيجية والتكنولوجيا والقدرة على السيطرة على مصادر القوة.

ومن يدرك هذه الحقيقة مبكراً سيكتب اسمه في مستقبل العالم.