في كل زمن تتجدد الرؤى حول الصيام وطبيعته وأثره في التجربة الدينية والإنسانية معا. فالصيام لم يكن يوما مجرد امتناع جسدي عن الطعام والشراب، بل ممارسة تتداخل فيها الأخلاق، والروحانية، فلسفة لضبط النفس، بل وأحيانا السياسة. ومن ثم، فإن فهم الصيام لا يكتمل إذا حصر في بعده الشعائري فقط، بل ينبغي النظر إليه كمدرسة تهذب الإنسان من الداخل.
وبعيدا عن منظومة الأديان الإبراهيمية، استخدم المهاتما غاندي الصيام بوصفه فعلا أخلاقيا مؤثرا، احتجاجا سياسيا فاعلا، فقد كان يدرك أن تعريض الذات للجوع الطوعي يمكن أن يوقظ الضمير الجمعي للهند، ويحد من دوائر العنف والانقسام، بين المسلمين والهندوس. فمارس غاندي الصيام كأداة أخلاقية لإعادة ضبط المجتمع، في رسالة لاعنيفة أقوى من الخطاب السياسي المباشر.
قبل تشكل الصيام كشعيرة دينية منظمة، لم يتحدث أرسطو عن الصيام بوصفه فضيلة دينية بالطبع، لكنه أسس لنظرية الفضيلة القائمة على الاعتدال بوصفه وسطا بين الإفراط والتفريط.
ومن هذا المنظور الفلسفي، يمكن فهم الامتناع المؤقت عن الطعام كتمرين أخلاقي على ضبط الشهوة، لا كقمع للجسد، بل كتنظيم لرغباته. فالجسد عند الفلاسفة ليس خصما للأخلاق، بل مجالا لتهذيب الإرادة، والصيام يصبح وسيلة لإعادة التوازن بين اللذة والعقل.
وضمن التجربة الإسلامية، فإن الصيام الرمضاني يجمع بين الاتفاق الفقهي حول شروطه وأحكامه كثيرا، ومع التنوع الفكري في تفسير آثاره ومقاصده، استقر الفقه على كونه عبادة محددة الأركان، لكن المدارس الفكرية انفتحت على قراءته قراءة أعمق تتجاوز ظاهر الإمساك إلى باطن التزكية. ومن هنا برزت رؤى فلسفية عقلانية وعرفانية حاولتا فهم الصيام بوصفه تجربة روحية وأخلاقية متكاملة.
وتعد مدرستا ابن عربي وابن رشد من أبرز النماذج التي تناولت الصيام من زاويتين مختلفتين، مع اتفاقهما على تعظيم الشعيرة واحترام معناها.
ينظر ابن عربي إلى الصيام باعتباره عبادة ذات سر خاص، تتجاوز ظاهر الامتناع إلى باطن الحضور. فالصيام عنده ليس مجرد ترك للطعام، بل تجريد للنفس من شوائبها الثقيلة، وتخفف من سلطان الشهوة التي تحجب القلب عن الصفاء. ويرتبط الصيام في رؤيته بمعنى الإخلاص، لأنه عبادة خفية لا يظهر جوهرها للناس، بل تتجلى حقيقتها في العلاقة الخفية بين العبد وربه. ومن ثم يصبح الجوع حالة روحية مقصودة، تهذب الحس، وتفتح باب المراقبة، وتدفع الإنسان إلى مراجعة ذاته بعيدا عن ضجيج اللذة والاستهلاك. فالصائم، في التصور العرفاني، لا يمتنع فقط عن الطعام، بل عن الغفلة، والاندفاع، وهيمنة “الأنا”، ليقترب من حالة من الصفاء الروحي التي تعيد ترتيب سلم القيم داخله.
في المقابل، يتعامل ابن رشد مع الصيام من زاوية عقلانية مقاصدية، حيث لا تنفصل العبادة عن حكمتها التربوية وعلتها المنطقية، فالصوم، في مدرسته، يسهم في تعزيز قوة الإرادة، وكبح النزوع إلى الإفراط الحسي، ويعيد للعقل قدرته على قيادة السلوك بدل الخضوع للشهوة. ورغم معالجته الفقهية لمسائل الصيام في إطار الأحكام، إلا أن خلفيته الفلسفية تجعله أقرب إلى النظر للصيام كتمرين عملي على الاعتدال الأخلاقي. فالإفراط في اللذة يؤدي إلى اضطراب التوازن النفسي، بينما يرسخ الصيام الانضباط، ويغرس في الإنسان القدرة على التحكم في رغباته، لا عبر القمع، بل عبر الوعي والاختيار. وهكذا يتحول الصيام إلى ممارسة تربوية تنضج السلوك، وتؤسس لشخصية أكثر اتزانا وقدرة على ضبط الذات.
وبين الرؤية العرفانية التي ترى الصيام سرا روحيا، والرؤية العقلانية التي تفهمه كمدرسة للإرادة، تتكامل دلالات الصيام ولا تتناقض. فهو في جوهره ليس مجرد امتناع عن الطعام بقدر ما هو امتناع عن الفوضى الداخلية، وتدريب واع على إعادة التوازن بين الجسد والعقل والروح. ومن هذا المنظور، يغدو الصيام تجربة إنسانية شاملة، تربي الضمير، وتهذب السلوك، وتعيد للإنسان وعيه بحدوده ورغباته، ليخرج من التجربة أكثر قدرة على العيش بوعي أخلاقي يتجاوز حدود الشعيرة إلى مجالات الحياة كلها.
هكذا يتجاوز الصيام كونه شعيرة زمنية إلى كونه تجربة أخلاقية واعية، تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته ورغباته والعالم من حوله. فهو تدريب يومي على الصبر، والاعتدال، ومراقبة النفس، بما يجعله مدرسة عملية لترسيخ القيم لا مجرد طقس ديني. وعندما يمارس الصيام بهذا الوعي، يتحول من امتناع جسدي إلى ارتقاء إنساني، يعيد للضمير حضوره، ويمنح السلوك اتزانه، ويجعل الأخلاق ثمرة حية لتجربة روحية عميقة يرتجيها الفرد ويستفاد منها في أن واحد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض