خارج السطر
أفضل ما فى دعوة صديقنا السياسى المجتهد النائب محمد عبدالعليم داوود لتكريم الرئيس الأسبق محمد حُسنى مبارك، أنها تعكس مُراجعة رأى وفكر وموقف، وهى سمة نادرة تغيب عن ساحتنا الفكرية.
كان داوود معارضاً حقيقياً لنظام مبارك، ذهب إلى معرض الكتاب يوماً وعمره 24 عاماً فوجد جناحاً باسم دولة إسرائيل الصديقة، فحشد وقاد مظاهرة شعبية ضد مشاركتها فى المعرض ليتم اعتقاله على أثرها. خاض الرجل انتخابات البرلمان عام 2000 بنقاء وثورية وإخلاص وامتزاج بهموم البسطاء، ففاز بمقعد غالٍ، وظفه لنقد كل سياسات مبارك وحكوماته ووزراءه وإعلامه، لدرجة أنه مزق البرنامج الانتخابى للرئيس مبارك علنا فى انتخابات 2005.
وبعد خمسة عشر عاماً من سقوط مبارك، ومع زوال أى مصلحة أو مكسب فى مدحه، طالب النائب المخضرم بتكريم الرئيس مبارك على دوره الوطنى العظيم غير المُنكر فى حرب أكتوبر 1973، وكأنه يقول للناس جميعا: إن الإنصاف ضرورة، والمراجعة فضيلة، وإعادة الحسابات أعظم من تصيفتها. فالمواقف الثابتة موت، والتمترس عند زمن بعينه هلاك فكرى.
يغلب الظن المعاكس لهذا الطرح عقول نُخبنا العربية. نحمل أفكارا أولية، نشب بها لا عليها، ننفعل ونُبالغ فى طرحها، ثُم تظل مُنغرسة برؤوسنا طوال سنين العُمر، فلا تخضع لمراجعة، ولا تدخل فى اختبار، ولا يتزحزح رسوخها داخل نفوسنا كأنها أعمدة معابد قديمة.
كان أصدقاؤنا الشيوعيون ينعون أياً من رفاقهم الراحلين بعبارة أثيرة تقول «وظل ثابتاً على مواقفه حتى رحيله» كأنهم بذلك يُثبتون عظمة الراحل ونبله وشرفه، متناسين أن الأشرف والأنبل هو تغيير الموقف بناء على المراجعة اللازمة. فأسوأ المصطلحات المتداولة فى بيئة الفكر والسياسة هو مصطلح «الثوابت»، إذ لا ثابت فى حقيقة الأمر إلا الله.
فى تاريخنا المعاصر شواهد عديدة أبرزها أن الحزب الوطنى القديم الذى أسسه مصطفى كامل عام 1906 رفع شعارا حماسيا حادا فى وجه الاحتلال البريطانى هو «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء» وبسبب هذا الشعار لم يدخل الحزب فى أى مفاوضات للجلاء، وظل ورثة مصطفى كامل متمترسين على الشعار حتى انفض أصحاب الآمال وانزوى الحزب بناسه.
على الجانب الآخر نتذكر جميعاً عبارة فارقة مُعلمة طرحها السياسى البارع مصطفى النحاس يوم 8 أكتوبر سنة 1951 فى خطابه أمام البرلمان إذ قال «من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها»، وهى تعنى أن توقيع الاتفاق كان صواباً فى وقت ما، ثُم صار الاتفاق خطأ فى وقت آخر. لقد تغيّر موقف زعيم الوفد بناء على تغير الظروف، واستناداً لاستقراءات ومراجعات واختبارات عملية.
إن التقييم الشامل، والتفكر المستمر، والمراجعات الدائمة، ورجرجة النظريات واختبارها، وتوسيع النقاشات بشأنها، والاحتكاك بالآخرين، والتعلم من السوابق العملية، وجرأة الاعتراف بالخطأ ضرورة من ضرورات التطور.
أُطالب أبنائى وأجيالهم الناشئة دائما بمراجعة كل شىء. أقول لهم: اختبروا وفككوا وحللوا كل موقف وكل درس وكل فكرة... حتى هذه الفكرة.
والله أعلم
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض