رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

إطلالة

 

شهد الوسط الفني في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت في اتجاه عدد من النجوم إلى تقديم إعلانات أثارت جدلاً واسعاً، بعضها وُصف بالمبالغ فيه، وبعضها الآخر اعتبره الجمهور “مشبوهاً”، خصوصاً تلك المرتبطة بالصحة والأدوية ومنتجات التخسيس وآلام العظام. هذه الظاهرة طرحت تساؤلات عميقة حول مسؤولية الفنان تجاه تاريخه الفني وجمهوره، وحول الحدود الفاصلة بين حقه في العمل الإعلاني وواجب التحلي بالمصداقية.
مما لا شك فيه أن الإعلان بات مصدراً مالياً مهماً لكثير من الفنانين، خاصة في ظل تراجع الإنتاج الدرامي أو السينمائي في بعض الفترات. لكن الصدمة تأتي حين يظهر اسم كبير ارتبط بوجدان الجمهور وأعمال خالدة، في إعلان لمنتج طبي غير موثوق أو “علاج سحري” للسمنة أو آلام المفاصل، دون أي سند علمي واضح وغير ذلك من عشرات الاعلانات التي إنتشرت بشكل مبالغ فيه سواء علي وسائل الإعلام المختلفة أو من خلال السوشيال ميديا . الجمهور بطبيعته يمنح الفنان ثقة تتجاوز العمل الفني، فهو يرى فيه قدوة وصوتاً مؤثراً، وحين تُستغل هذه الثقة في الترويج لمنتجات غير مثبتة الفعالية، تتحول المسألة من مجرد إعلان إلى قضية أخلاقية.
أثار ظهور بعض النجوم الكبار في إعلانات لمنتجات طبية موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث رأى البعض أن قيمة الفنان وتاريخه الكبير لا يتناسب مع طبيعة المنتج المُعلن عنه. فقد تعرّضت الفنانة فيفي عبده لموجة سخرية وانتقاد إثر مشاركتها في حملات ترويجية لمنتجات مرتبطة بآلام المفاصل والتخسيس، واعتبر منتقدوها أن الرسائل الإعلانية بدت أقرب إلى الوعود المطلقة منها إلى النصائح الصحية المتوازنة.
الأمر لا يقتصر على مصر وحدها. ففي لبنان أثار ظهور الفنانة هيفاء وهبي في إعلانات لمنتجات تجميل وصحة موجة نقاش حول مدى دقة الادعاءات التسويقية، خصوصاً عندما تُقدَّم النتائج على أنها “مضمونة” أو “فورية”. وفي حالات أخرى، ظهر فنانون في إعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يروجون لكبسولات أو أعشاب “تعالج السمنة خلال أيام” أو “تقضي على خشونة الركبة نهائياً”، دون توضيح علمي أو تحذير طبي.
الخطورة تكمن في طبيعة هذه المنتجات تحديداً. فالإعلانات الخاصة بالصحة والأدوية لا تُعد مجرد ترويج تجاري عادي، بل تمسّ حياة الناس وسلامتهم. عندما يثق مريض يعاني من آلام العظام أو السمنة المزمنة بفنان يحبه، قد يُقدم على شراء منتج دون استشارة طبية، معتمداً على “شهادة” النجم. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى مضاعفات صحية أو إهمال العلاج الحقيقي.
من ناحية أخرى، يدافع بعض الفنانين عن أنفسهم بالقول إنهم يتعاملون مع شركات مرخصة، وإنهم ليسوا أطباء ولا يتحملون مسؤولية التفاصيل العلمية. لكن هذا التبرير لا يقنع شريحة واسعة من الجمهور، التي ترى أن النجومية امتياز يرافقه قدر من المسؤولية. فكما يحرص الفنان على اختيار أدواره بعناية حفاظاً على صورته، يفترض أن يتحرى الدقة نفسها في اختيار الحملات الإعلانية.
فحين يقف فنان صاحب تاريخ طويل أمام الكاميرا ليقدم منتجاً مشكوكاً في أمره، يشعر بعض المتابعين بخيبة أمل، وكأن جزءاً من الذاكرة الفنية قد تلطخ. فالفن ليس مجرد مهنة، بل رصيد معنوي يتراكم عبر السنين. وقد يرى البعض أن إعلاناً واحداً قد لا يمحو تاريخاً كاملاً، لكنه بلا شك يترك أثراً على الصورة الذهنية.
في المقابل، لا يمكن التعميم أو إدانة كل فنان شارك في إعلان صحي، فهناك حملات توعوية حقيقية تخدم المجتمع، خاصة عندما تتعلق بالكشف المبكر عن الأمراض أو دعم مبادرات طبية معترف بها. الفارق يكمن في الشفافية، وفي وضوح المعلومات، وفي تجنب الادعاءات المطلقة التي توحي بأن المنتج “معجزة”.
تظل الإعلانات جزءاً مشروعاً من صناعة الترفيه، لكن حين تتقاطع مع صحة الناس، تصبح المسألة أكثر حساسية. الجمهور اليوم أكثر وعياً وقدرة على النقد، ووسائل التواصل الاجتماعي قادرة على محاسبة أي تجاوز. لذلك، ربما آن الأوان لإعادة التفكير في معايير قبول الإعلانات، حفاظاً على الثقة بين الفنان وجمهوره، وصوناً لتاريخ فني بُني على سنوات من الإبداع والاحترام.