رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى الصميم




لطالما كان الشارع المصرى رمزاً للشهامة والجدعنة، مكاناً تذوب فيه الخلافات بكلمة طيبة، ويسود فيه منطق «الجيرة» و«الأصول». لكن القشرة الحضارية التى غلفت مجتمعنا لعقود بدأت فى التآكل، لتطفو على السطح ظواهر غريبة ومفزعة، لا تشبهنا ولا تنتمى لتاريخنا. إن ما نشهده اليوم من أخبار يومية تتحدث عن استخدام السلاح فى مشاجرات تافهة، أو التعدى السافر على الضعفاء، ليس مجرد حوادث فردية، بل هو صرخة إنذار تخبرنا بأن البوصلة الأخلاقية تحتاج إلى إعادة ضبط عاجلة.
لقد صدم المجتمع مؤخراً بمشاهد لا يمكن استيعابها؛ شباب فى مقتبل العمر يستخدمون «الخرطوش» فى نزاعات الشوارع دون رادع من ضمير أو خوف من قانون، كما حدث فى واقعة التعدى على أب وطفله. هذه المشاهد ليست مجرد «بلطجة»، بل هى انهيار لمنظومة القيم التى كانت تمنع الصغير من التطاول على الكبير، وتحمى الضعيف بستر القوة الجماعية.
الأمر لم يتوقف عند حدود الشارع، بل اقتحم قدسية السكن والعلاقات الإنسانية. أن نسمع عن قتل محامية وإلقائها من مسكنها بسبب خلافات عائلية، فهذا يعنى أن لغة الحوار قد ماتت، وحل محلها منطق الغابة. وحتى داخل أروقة المحاكم، نجد «عنفاً مقنناً» يمارس تحت ستار قوانين قديمة، حيث تحرم زوجات الآباء من رؤية أبنائهم فى كيد متبادل، وكأن الأطفال مجرد أدوات لتصفية الحسابات، مما يخلق جيلا مشوها نفسيا، مشبعا بالكراهية والغل.
ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، يبرز التساؤل الجوهرى: كيف تحولت أيام الصيام والقيام، التى من المفترض أن تهذب النفوس وتكبح جماح الغضب، إلى موسم نلحظ فيه أحيانا زيادة فى «العصبية» والتشاجر تحت ذريعة الصيام؟
إن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو دورة تدريبية مكثفة على «ضبط النفس». إن أخلاق الصائم الحقيقية هى التى تظهر فى زحام الشوارع وفى ضغوط العمل، حيث ينبغى أن تكون كلمة «إنى صائم» درعا واقيا من الانزلاق نحو العنف أو رد الإساءة بمثلها. إن روحانية هذا الشهر الفضيل يجب أن تكون المنطلق لتلك «الصحوة المجتمعية» التى ننشدها، لتتحول مائدة الرحمن من مجرد إطعام للأجساد إلى ملاذ لترميم العلاقات الإنسانية وإحياء قيم التسامح والصفح.
إن هذا الانفلات الأخلاقى لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تضافر عوامل عدة منها أولاً: غياب القدوة وتراجع دور الأب والأم المنشغلين بضغوط الحياة، وغياب المعلم الذى كان مربيا قبل أن يكون ملقنا.
ثانياً: التلوث السمعى والبصرى: ما يبث عبر بعض المنصات والأعمال الفنية التى تمجد «البلطجي» وتظهره كبطل شعبى، مما جعل المراهقين يقلدون العنف بحثا عن القوة الزائفة.
ثالثا: الفراغ الروحى:تحول التدين فى كثير من الأحيان إلى طقوس ظاهرية تخلو من جوهر الأخلاق والمعاملة الحسنة.
إن علاج هذا الورم الأخلاقى لا يكون بالمسكنات، بل يحتاج إلى جراحة عاجلة تشترك فيها كل مؤسسات الدولة والمجتمع. نحن بحاجة إلى ميثاق شرف أخلاقى، وثيقة وطنية ملزمة أدبيا واجتماعيا، تعيد تعريف الخطوط الحمراء التى لا يجوز تجاوزها، من الأزهر، والكنيسة والمدرسة والجامعة، الإعلام، والدراما، وأصبح على صناع المحتوى دور هام من خلال إدراك حجم المسؤولية. نحتاج إلى أعمال تبرز الشهامة الحقيقية، وتعلى من شأن العلم والأدب، بدلاً من تصدير «المطواة» و«لغة السوق» كرموز للرجولة، خاصة فى المسلسلات التى تجذب ملايين المشاهدين فى المواسم الدرامية.
الأمر الرابع لا بد من التشريع والرقابة، من خلال تعديل القوانين التى عفا عليها الزمن، خاصة فى مسائل الأحوال الشخصية، لضمان العدالة الناجزة التى لا تظلم طرفاً على حساب الآخر، وتضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار. فالقانون حين يكون عادلاً وسريعاً، يقطع الطريق على من تسول له نفسه أخذ حقه بيده.
يجب أن تتضمن الوثيقة المقترحة بنوداً واضحة، منها:
< تجريم التنمر: بكافة أشكاله فى الشارع أو على منصات التواصل.
< حماية الفضاء العام: اعتبار التحرش أو استخدام الأسلحة البيضاء جرائم مخلة بالشرف لا تسقط بالتقادم الاجتماعى.
< التكافل السلوكى: أن يعود الجار رقيباً بالحق على جاره، يعين المحتاج ويزجر المخطئ بالحسنى.
إن استعادة أخلاق المصريين ليست رفاهية، بل هى قضية أمن قومى بامتياز. فالمجتمع الذى يفقد أخلاقه يفقد هويته وقدرته على البقاء. لنبدأ بأنفسنا، ولنجعل من بيوتنا قلاعاً للقيم، ولنتذكر دائماً أن «الدين المعاملة».
[email protected]