قطوف
الوميــــض
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق

منكمشاً فى سريرى وسط الظلام.. قلقاً.. متلهفاً، يتنازعنى بعض الخوف من عدم إدراكها.. الكثيرون يجزمون بميعادها فى ليلة السابع والعشرين. سأحمل مطالبى وأتلوها بسرعة لأضمن وصولها قبل أن ينطفئ وميضها، وسأرددها بصوت منخفض حتى لا يسمعها والدى فيتجدد عقابى. لكنى دائماً يخطفنى النوم، فأستيقظ فى الصباح لأكتشف - بأسى - أننى نمت وأضعت على نفسى احتمال ظهور الطاقة لى، وأعزم عزماً أكيداً على أن أظل يقظاناً حتى وميض طاقة ليلة القدر فى العام القادم منذ أن علمت بشأنها من المدرسين وأهل القرية، لكى أرفع دعائى إلى السماء بسرعة لحظة وميض طاقة ليلة القدر وبصوت منخفض : يارب المدرسة تتحرق.. يارب المدرسة تحترق .. يارب المدرسة تحترق أو تقع.
لا أحب هواء الشتاء البارد وهو يضرب جسدى النحيل بقوة، فيرتعش وكأننى أتراقص على نغمات متزنة.. ولا أحب أن أكتف نفسى بملابسها وحذائها الضيق أو أحمل مخلاة ثقيلة من القماش تزدحم بالكتب والكراريس والأقلام والمساطر وأرغفة الخبز وقطع الجبن.. أعشق العدو إلى الحقول ومطاردة الفراشات والصعود إلى شجرة الجميز الضخمة والاستحمام فى الترعة وألعب مع أصدقائى الكارهين للمدرسة والذين فضل آباؤهم إرسالهم إلى الحقول ليعملوا، وهو أحد المطالب التى رفضها أبى بإصرار ونالنى قسط وفير من ضربات الخرطوم على جسدى العارى.. أغبط كثيراً كل من لا يعرف طريق المدرسة، وصلت لدرجة أننى أحسد الحمار وكل الحيوانات لعدم ذهابهم للمدرسة وتحررهم من الذل المدرسى ومن طابور المدرسة والتمارين الصباحية الشاقة ومسطرة الناظر على الأيادى الباردة ذات الأظافر الطويلة، وسجن الفصول بأحكام المدرسين العرفية وحفظ دروس عقيمة.. أنتظر بلهفة لحظة الإفراج من المدرسة، لأكون حراً مع رفاق الشارع وأشاركهم مرحهم البديع والذى يحرمنى منه أداء الواجبات المدرسية الصعبة.. ينتزعنى والدى من تبادل رواية الحكايات العجيبة والطرائف المثيرة فى حلقة الصغار المتلفة تحت عمود النور فى الشارع كى أدلف إلى فراشى فى وقت مناسب حتى أستيقظ مبكراً للذهاب إلى المدرسة اللعينة، فى حين يواصل الرفاق الأحرار –الذين لا يعرفون طريق المدرسة- سهرتهم البهيجة إلى وقت متأخر من الليل. فشلت كل ألاعيبى للهروب من المدرسة، كانوا يسدون لى كل الذرائع ويجدون حلولاً لكل ما أختلقه من عقبات الذهاب للمدرسة، لذا كنت أهرب، وألعب بالشارع حتى ميعاد الانصراف، وحتى أضمن اختفاء الأمر عنهم ولو مؤقتاً كنت أغرى أخى الصغير المحب للمدرسة للهروب معى أثناء الفسحة وأهدده بالضرب فأضمن عدم وشايته لأبى بهروبى.. فأنال عقابه الصارم. ماذا سيضير الآباء لو تنازلوا عن بدعة التعليم التى تحرمنا من كل هذه المتع البهيجة؟!.... ألا يوفرن مصاريف المدرسة والكتب الخارجية والدروس الخصوصية التى يقتطعونها من رغد معيشتنا، وأتعلم صنعة مربحة.. فمستحيل أن أحب قواعد الإنجليزى وكلماته:
يا رب مدرس الإنجليزى يموت…. يارب مدرس الحساب يغرق.
فغداً سيضربني مدرس الحساب.. فالواجب لم ينجز .. سأقول له إننى لم أفهم، لكننى ألمح وجهه الصارم .. بيمينه عصاه الشهيرة تتحرك فى الهواء بعصبية، أتابعها برهبة وتشتد دقات قلبى خوفاً.. سأقسم له بأغلظ الإيمان بأننى برئ من تهمة الإهمال، لكن هيهات، فهو يختصنى بقدر أكبر من معاملته الجائرة ويتعمد إهانتى وإذلالى بعقوبات مذلة وقاسية من دون زملائى.. إلا أننى على كل حال سأنفخ فى يدى قبل أن أتلقاها.. كم حلمت به وتصورته فى طابور الصباح وهو يكسر عصاه الشهيرة أمام جميع التلاميذ والمدرسة كلها تشتعل بالتصفيق وأخذ يمسح بيديه على شعرى فى حنان.
على أن أكون أكثر تركيزاً.
فى انتظارى لوميض طاقة القدر فربما كان وميضها خافتاً لا يلحظ إلا بالكاد أو أننى أردد مطالبى بصوت منخفض. لكن مع توالى نومى فى ليالي القدر قبل إدراكها تأكدت أن اختطاف النوم لى عقوبة أستحقها من السماء لأننى أخرت شراً للمدرسين، لذا تواضعت ورقت مطالبى أكثر ومع إدراكى أن الذهاب للمدرسة قدر لا أمل فى الفرار منه أخذت أدعو يارب جرس المدرسة ينكسر، وتطول الفسحة ونظل نلعب فى الفناء على الدوام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض