ﺟﻮاز ﺳﻔﺮ ﻋﺎﺑﺮ ﻟﻠﻘﺎرات
رحلة رمضانية من القاهرة إلى جاكرتا
«حين يرتفعُ الأذان، تصمتُ الأرضُ ليتكلمَ الإيمان بـ لغاتٍ شتى، فمن وهج الفوانيس التى تشرق على أزقة القاهرة، إلى جبال الأرخبيل الإندونيسى حيث يغتسل الصائمون بعبير الليمون، ينسج رمضان خيوطه حول العالم، ليحول الكوكب كله إلى محراب واحد كبير، وجواز سفر يعبر القارات.
فى هذه الجولة، نتتبع خطوات الهلال وهو يكتب قصة مليارى إنسان، قصة لا تُحكى بالأرقام، بل تفوح من رائحة خبز «البيدا» فى تركيا، ودموع المصلين فى بيوت الله بشتى بقاع الأرض، لتعلن أن وحدة الإيمان أعمق وأقوى من أى اختلاف جغرافى.
سيمفونيةُ ضوءٍ لا تنام
ولأن الحكاية انطلقت من أم الدنيا، نبدأ رحلتنا من قلب القاهرة، لترى «الليل» وهو يخلع ثوب العتمة ليرتدى ثوباً من قماش «الخيامية» الملون، هنا، فى قاهرة المعز التى لا تنام، يتحول رمضان إلى «حالة استنفار للبهجة»، فمن زقاق «المعز» التاريخى الذى يفوح بعبق البخور، وصولاً إلى رحاب «السيدة زينب» وحوارى «الدرب الأحمر»، يتغير مفهوم الزمن.
فى مصر، لا يبدأ «اليوم الحقيقى» مع شروق الشمس، بل مع انطلاق مدفع الإفطار. حينها، تتحول الشوارع من هدوء الصمت إلى صخب الحياة. «الفانوس» فى يد الأطفال ليس مجرد لعبة أو زينة عابرة، بل هو «البصمة الوراثية» للهوية المصرية منذ العصر الفاطمى، وشاهدٌ حى على أن رمضان هنا هو «حالة اجتماعية مكتملة الأركان»، قبل أن يكون مجرد فريضة دينية.
وعلى رصيف كل شارع، تُنصب «موائد الرحمن» كلوحة فنية للتكافل، حيث يذوب الفارق بين الغنى والفقير فى لحظة «تسمية» واحدة على الطعام، يتسابق الجميع لاقتناص «ثواب» إفطار صائم، فى مشهد إنسانى يجسد أسمى صور التلاحم، ويجعل من القاهرة «أماً للدنيا» حقاً فى كرمها ومحبتها.
«نيادران» وتنظيف الروح
ومن قلب القاهرة نرحل إلى أكبر الدول الإسلامية سكانًا، إلى صخب العاصمة جاكرتا التى لا تهدأ، حيث يتبدل وجه المدينة مع أول خيط من رمضان، فتخف حركة الزحام وتفسح المجال لطقوس جماعية تعكس روح التكافل والمشاركة.
وفى مختلف أرجاء الأرخبيل الإندونيسى، يستقبل الإندونيسيون الشهر بتقليد «ميجينجان» فى جاوة الشرقية، رمز ضبط الشهوات والارتقاء بالروح، عبر الصلاة، فضلًا عن حج القبور، وذلك فى طقس يُعرف بـ«نيادران» (Nyadran)، وهو مزيج من التقاليد المحلية والإسلامية، حيث تخرج العائلات لتنظيف القبور وزيارة الأحبة وتوزيع الطعام، استعدادًا لاستقبال الشهر بقلوب نقية.
وفى بالى، يجتمع المسلمون حول دوائر لتناول وجبة الأرز على صينية، وتزين الموائد الإندونيسية أطباق مثل «الكولاك» (Colak)، حساء حلو من سكر النخيل وحليب جوز الهند يمنح الصائمين طاقة متجددة بعد نهار طويل تحت المناخ الاستوائى.
ومع اقتراب العيد، تتحول الطرقات إلى شرايين نابضة بالحنين فى ملحمة «الموديك» الكبرى للعودة إلى الجذور، ليظل رمضان فى إندونيسيا سيمفونية اجتماعية فريدة تعزفها ملايين القلوب التى تجد بهجتها فى التجمع والوحدة الروحية.
«المسحراتى» بزيّ عثمانى
وفى رحاب آسيا، نرتحل إلى أسطنبول، وبين مآذنها التى تعانق السماء، لا يقرع المسحراتى طبله فحسب، بل يوقظ ذاكرة التاريخ، ففى تركيا، يرتدى «المسحراتى» زيّه العثمانى التقليدى ليجوب الشوارع قبيل الفجر، فى مشهد حيّ يربط الحاضر بعهد السلاطين، بينما تضىء لافتات الترحيب أزقة المدن معلنةً ميلاد «سلطان الشهور».
ومع الإفطار، تلوح فى الطرقات طوابير طويلة أمام المخابر قبل دقائق من الأذان للحصول على بطل المائدة التركية،خبز البيدا (Pide)، ومن ثَمَ، تتحول الساحات الكبرى إلى مسارح للروح، حيث تتمايل ألحان الموسيقى التراثية وتصدح الندوات الدينية فى أروقة المساجد العتيقة، لترسم لوحة فنية تجمع بين القداسة والجمال.
وفى تجسيد حيّ لقيم التكافل، تتحول البلديات والجمعيات الخيرية إلى خلايا نحل لتجهيز موائد الإفطار المجانية، ورغم هذا الزخم الروحى، تظل تركيا «المنفتحة» ترحب بسائحيها الأجانب، وتدبّ الحياة فى شرايين مواصلاتها التى لا تهدأ ليلاً، لضمان أن تظل نبضات القلب التركى مستمرة من مائدة الإفطار وحتى بزوغ الفجر.
إفطار بالساحة الحمراء
على الجانب الآخر من العالم، وفى ظل التحديات التى قد يواجهها المسلمون فى الغرب، تبرز مبادرة «Open Iftar» فى المملكة المتحدة، بساحة «ترافالغار» الشهيرة، يجتمع آلاف المسلمين وغير المسلمين لتناول وجبة الإفطار معاً.
وهناك، تحت سماء بريطانيا الملبدة بالغيوم، يشرق «قمر لندن» و»برمنغهام» بوهج مختلف، حيث يتحول رمضان إلى «جسر ثقافى» يعبر عليه نحو 3.9 مليون مسلم—ثانى أكبر نسيج دينى فى البلاد—ليصيغوا هوية فريدة تدمج بين الروحانية الإسلامية والإيقاع الإنجليزى المعاصر.
وفى شوارع مانشستر وبرادفورد، لا تكتفى الفوانيس بإضاءة الزوايا، بل تضىء مساحات «التعايش»، فتجد مائدة الإفطار تتحول إلى برلمان مفتوح يجمع الجار بغير المسلم فى حوار إنسانى تقوده نكهات الأطباق المتنوعة.
ومع ازدهار الأسواق بعروضها الرمضانية من «شيفيلد» وصولاً إلى «غلاسكو»، يتجاوز الشهر حدود المحراب ليصبح تظاهرة مجتمعية نابضة، تثبت أن الوجود الإسلامى هناك ليس مجرد أرقام إحصائية، بل هو نبضٌ حى ينسج من العبادة والنشاط التجارى والحضور الفاعل ملمحاً أصيلاً من ملامح الحياة البريطانية الحديثة.
تحدى «الساعات الطويلة»
عند تخوم الشمال المتجمد، حيث تعانق الشمس الأفق ولا تكاد تغادره، يواجه المسلمون فى النرويج وآيسلندا تحدى «الساعات الطويلة» فى اختبارٍ فريد للصبر والإرادة، فهناك، حيث لا تغيب الشمس إلا لماماً أو تظل ساطعة فى كبد السماء خلال الصيف، يجد الصائمون أنفسهم أمام «ماراثون روحى» يتجاوز أحياناً حاجز الـ 18 ساعة.
وفى ظل هذه الظاهرة الطبيعية، تبرز مرونة الشريعة لتساند العزيمة، حيث تفتى الهيئات الدينية باتباع توقيت مكة المكرمة أو أقرب كتل سكانية إسلامية، لتمتزج صرامة المناخ القطبى بدفء الإيمان، فى مشهد يبرهن أن الصيام فى بلاد «شمس منتصف الليل» هو معركة صامتة ينتصر فيها اليقين على تعب الجسد.
لقد رأينا كيف تحول الإيمان فى القاهرة إلى فرحة اجتماعية، وكيف صار فى إندونيسيا سيمفونية لتطهير الروح، وكيف صاغه المسلمون فى تركيا وبريطانيا كرسالة تعايش ودبلوماسية إنسانية عابرة للحدود، وصولاً إلى صمود الجسد والروح فى أقاصى الشمال.
فى نهاية المطاف، قد تختلف الأصناف على الموائد، وقد تتفاوت لغات الدعاء وساعات الإمساك، لكن يبقى «اليقين» واحداً، يثبت للعالم أجمع أن هذا الهلال الذى يطوف القارات، لا يجمع المسلمين فحسب، بل ينسج من قيم الكرم، والصبر، والتراحم، لغةً عالمية يفهمها الجميع، لتظل قصة رمضان فى حياة المسلمين حول العالم هى قصة «القلب الواحد» الذى ينبض فى أجسادٍ شتى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض