ﺣﺮب أوﻛﺮاﻧﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﻃﺎوﻟﺔ المفاوضات اﻟﺴﺎﺧﻨﺔ
فى مشهد يعكس تعقيدات أكبر صراع تشهده القارة الأوروبية منذ عقود، تختتم فى جنيف جولات تفاوضية جديدة بين روسيا وأوكرانيا برعاية أمريكية، لكنها تترك ملف السلام معلقاً فى حالة من الجمود الاستراتيجي، بينما تستمر جبهات القتال مشتعلة فى الشرق الأوكرانى.
وصفت كييف المحادثات بأنها «متقدمة بحذر»، فى حين اعتبرتها موسكو «صعبة لكنها جدية»، غير أن خطوط التباين ظلت واضحة كالشمس فى سماء سويسرا.
وأوضح الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى أقرّ فى خطابه المسائى بأن المفاوضات فى المسار العسكرى كانت جوهرية، لكنه استدرك قائلاً: «حتى اليوم، لا يمكننا القول إن النتيجة كافية»، مشيراً إلى أن الملفات السياسية الحساسة لم تعالج بعد بشكل كاف.
وأشار أستاذ العلاقات الدولية مكسيم يالي:» أن الجولة السابقة من المفاوضات شهدت إشارات إيجابية من واشنطن رحبت بها موسكو، لكن النتائج تظل محدودة لأن النقطة المحورية تتعلق بالتنازلات على مستوى الأراضي». وأضاف: « الرئيس الروسى فلاديمير بوتين مصر على كامل مناطق دونيتسك ولوغانسك، معتبراً ذلك انتصاراً حاسماً، بينما يرفض الشعب الأوكرانى هذه التنازلات باعتبارها استسلاماً وليس اتفاق سلام».
وأكد يالى أن الطرفين غير مستعدين للمساومة، وأى تقدم جزئى غالباً ما تقابله شروط روسية جديدة، مما يعكس الطبيعة المعقدة للعملية التفاوضية، فالتوافق حتى الآن لا يتجاوز نقطة واحدة من أصل 20 ضمن خطة السلام، فيما تتعلق التسع عشرة الأخرى بملفات شائكة أبرزها السيادة على الأراضي.
ويكشف تحليل المشهد أن أوكرانيا غير مستعدة لقبول أى تنازلات قد تعتبر استسلاماً، واستفتاءات الرأى الشعبى الأخيرة تعكس رفضاً شعبياً قاطعاً لأى تنازلات إقليمية، والأكثر تعقيداً أن الدستور الأوكرانى يحظر تعديل الحدود أو إجراء استفتاءات لتغييرها، حتى لو وافق زيلينسكى على إنهاء الحرب عبر اتفاق سلام.
فى المقابل، تطالب روسيا بإجراء انتخابات رئاسية فى أوكرانيا، وهو ما ترفضه كييف إلا بعد وقف إطلاق نار يستمر 60 يوماً، بينما يقبل بوتين بيوم واحد فقط، وهو أمر غير مقبول من منظور أمنى أوكراني.
وتتضمن القضايا الحساسة التى لم تُحل فى المحادثات مصير الأراضى المحتلة فى شرق أوكرانيا، والوضع المستقبلى لمحطة زابوريجيا للطاقة النووية التى تسيطر عليها القوات الروسية، إضافة إلى الضمانات الأمنية وملفات السياسة واللغة والقضايا الإنسانية التى أشار إليها وزير الخارجية الروسى سيرغى لافروف.
ويرى محللون أن موسكو تعتمد على تحقيق أهدافها بالسبيل العسكرى أو الدبلوماسى على حد سواء، وأن أى تقدم دبلوماسى يقابله شروط جديدة من الكرملين، مما يشير إلى أن موسكو لا تزال غير مهتمة حتى الساعة بالسلام الفعلي، بل تركز على تجنب عقوبات إضافية من واشنطن.
وأعلن زيلينسكى أن الجولة المقبلة من المحادثات ستعقد فى سويسرا، وأن كييف وموسكو باتتا «قريبتين» من التوصل إلى وثيقة تحدد آلية مراقبة أى وقف محتمل لإطلاق النار، تتجه الأنظار إلى الشهر الجارى الذى قد يشهد لقاءات جديدة.
وأشار الرئيس الأوكرانى إلى أن الولايات المتحدة ستتولى دوراً قيادياً فى عملية مراقبة وقف إطلاق النار، مع ضرورة إشراك ممثلين أوروبيين لضمان الشفافية، كما لفت إلى أن واشنطن و»ربما بعض الأوروبيين» يناقشون وثيقة جديدة محتملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فى خطوة قد تعكس مساعٍ أوسع لإعادة ترتيب الضمانات الأمنية فى المنطقة، ولكن حتى تتحول هذه النوايا إلى واقع، تبقى جبهات القتال مفتوحة، والمفاوضات معلقة بين رفض أوكرانى للاستسلام وإصرار روسى على تحقيق أقصى المكاسب، فى وقت يواصل فيه القصف الروسى استهداف شبكة الكهرباء الأوكرانية، ويتقدم ببطء على خطوط المواجهة، تاركاً ملف السلام رهينة لمعادلة صعبة: إما تنازلات مؤلمة أو حرب بلا نهاية.