رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبض الكلمات

يأتى رمضان هذا العام لا محمّلًا بنفحات الطمأنينة كما ينتظره الناس، بل مثقلاً بأسئلة موجعة تتردد فى بيوت البسطاء: لماذا ترتفع الأسعار بلا سقف؟ وأين ذهبت وعود السيطرة؟ وكيف صار السوق ساحة مفتوحة للفوضى، بلا رقيب ولا رادع؟..فلم يعد الغلاء أزمة عابرة، بل تحوّل إلى واقع ضاغط يخنق أنفاس محدودى الدخل. كل صباح يحمل رقماً جديداً على بطاقة السعر، وكأن السلع الغذائية دخلت سباقاً محموماً مع جيوب المواطنين، سباق نتيجته محسومة دائماً: الهزيمة للمستهلك. الخضار، الزيت، اللحوم، الدواجن، وحتى السلع الأساسية التى كانت تُعد خط الدفاع الأخير للفقراء، صارت بعيدة المنال.. والأخطر من الغلاء ذاته هو شعور الناس بأن الأسواق تُركت لمصيرها. انفلات الأسعار لم يعد مجرد خلل اقتصادى، بل أصبح دليلاً صارخاً على غياب السيطرة، وعلى عجز واضح فى ضبط منظومة يفترض أنها تخضع لرقابة صارمة. المواطن لا يرى سوى تاجر يرفع السعر متى شاء، وسوقٍ يتقلب بلا منطق، بينما الجهات المسؤولة تبدو وكأنها تراقب المشهد من بعيد..رمضان شهر التكافل، لكن كيف يتكافل مجتمع تُستنزف فيه الطبقة المتوسطة وتُسحق فيه الطبقة الفقيرة؟ كيف يشعر الناس بروحانيات الشهر وهم مشغولون بحساب تكلفة الإفطار قبل أذان المغرب؟ لقد أصبح الصيام عند كثيرين صيامين: صيام عن الطعام نهاراً... وصيام عن القدرة على الشراء ليلاً.

المشكلة لم تعد فى ارتفاع الأسعار فقط، بل فى فقدان الثقة. حين يشعر المواطن بأن السوق أقوى من الدولة، وبأن التاجر أقدر من الرقابة، وبأن الغلاء بلا نهاية... هنا يتسلل الإحباط إلى النفوس، ويصبح القلق ضيفاً دائماً على موائد السحور.

إن المسئولية اليوم ليست اقتصادية فحسب، بل أخلاقية ووطنية. فالدولة التى تحمى قوت مواطنيها تحمى استقرارها، والمجتمع الذى يترك فقرائه فريسة للأسعار يزرع بذور غضب صامت. المطلوب ليس وعوداً، بل إجراءات حاسمة تعيد الميزان إلى موضعه، وتضع حداً لفوضى السوق قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة لا تُحتمل.

رمضان سيظل شهراً للرحمة... لكن الرحمة الحقيقية تبدأ حين يشعر المواطن بأن هناك من يحمى حقه فى لقمةٍ لا تُذلّه.

ويهل رمضان هذا العام لا حاملاً البِشرى كما اعتدنا، بل مثقلاً بآهات الفقراء وأنين البسطاء الذين صاروا يستقبلون الشهر الكريم بقلوب مرتجفة لا بصدور مطمئنة. شهر الرحمة الذى كان موسماً للفرح الروحى، أصبح عند كثيرين موسماً للحسابات القاسية: كم يكفى الراتب؟ ماذا نشترى؟ ماذا نترك؟ وأيّ أساسيات سنضحى بها هذه المرة لنُبقى موائدنا حيّة؟، فلم يعد السؤال: ماذا سنُعدّ للإفطار؟ بل صار: هل نستطيع الإفطار أصلاً بما يكفى؟

الأسعار تشتعل بلا رحمة، والسلع الغذائية تقفز قفزات جنونية كأنها تتحدّى جيوب المعدمين. الزيت يعلو، السكر يعلو، الأرز يعلو، وحتى أبسط الاحتياجات باتت رفاهية. وما بين فاتورةٍ وأخرى، ينكمش الأمل فى صدور محدودى الدخل، الذين صاروا يحسبون اللقمة كما يُحسب الذهب.

رمضان ليس شهر جوعٍ بل شهر صبر، لكن ما يعيشه الفقراء اليوم ليس صبراً اختيارياً بل قهراً إجبارياً. هناك أسر دخلها لا يتغير، بينما كل شىء حولها يتغير... بل يتضاعف. هناك آباء يخجلون من نظرات أبنائهم حين يسألون عن حلوى أو فاكهة أو حتى طبق بسيط اعتادوه. وهناك أمهات يبتسمن أمام صغارهن بينما يخفين دموع العجز خلف أبواب المطابخ الفارغة.

المأساة الحقيقية ليست فى الغلاء وحده، بل فى اتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون. موائد عامرة تُنشر صورها على الشاشات، تقابلها موائد صامتة لا يجد أصحابها ما يلتقطونه بعد أذان المغرب سوى الماء والنية الطيبة. أى مفارقة هذه التى تجعل شهر الكرم يتحول عند البعض إلى شهر الحرمان؟..فإن أخطر ما فى الأزمة ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل اعتياد الناس عليها. حين يصبح الغلاء أمراً عادياً، ويصير التقشف قدراً، ويغدو الحرمان أسلوب حياة... هنا الخطر الحقيقى. لأن الشعوب لا تنهار حين تجوع مرة، بل حين تتعود الجوع...رمضان رسالة عدل قبل أن يكون رسالة عبادة. رسالة تقول إن المجتمع الذى ينام فيه غنيٌ شبعان وفقيرٌ جائع هو مجتمع فقد ميزان الرحمة. فهل نعيد لهذا الشهر روحه الحقيقية؟ هل يتحرك الضمير الجمعى قبل أن تتحرك موائد الإفطار؟ هل تتحول الكلمات عن التكافل إلى أفعال تنقذ كرامة المحتاج قبل جسده؟..ويبقى رمضان رغم كل شىء نافذة نور... لكن النور يحتاج أيادى تُشعل مصابيحه، وقلوب تشعر بوجع غيرها. فالجوع ليس قدراً إذا وُجد العدل، والفقر ليس عيباً إذا وُجد ضمير....رمضان كريم علينا وعلى أهالينا واحبابنا وشعب مصر العظيم رئيسا وجيشا والأمة الإسلامية أجمعين.

 

رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية 

magda [email protected]