قصة زينة رمضان في مصر وكيف ظهرت واستمرت حتى الآن (صور)
تعتبر مصر واحدة من البلدان التي تتميز بطقوس رمضانية فريدة، حيث نجحت في خلق طابع خاص للاحتفال بشهر الصيام الكريم، تتصدر زينة رمضان والفوانيس أهم الرموز البصرية التي ترسم صورة عن هذا الشهر في مصر، لكن ما أصل هذه العادات التي تحولت مع الوقت إلى جزء أصيل من الثقافة الشعبية؟

يشير معظم المؤرخين وعلماء الفولكلور إلى أن العصر الفاطمي، الذي امتد بين 969 و1171 ميلاديًا، كان البداية الحقيقية لتقاليد الاحتفال المبهجة والتزيينات الرمضانية، خاصة ظهور "فانوس رمضان" كرمز مميز.
وأشهر الروايات التاريخية المرتبطة بهذا التقليد تعود إلى دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة قادمًا من المغرب، وكان ذلك في ليلة من ليالي رمضان عام 358 هجريًا، حيث اصطفت جموع الشعب خارج المدينة لاستقباله وهم يحملون فوانيس مضيئة ويغنون أهازيج ترحيبية، مما أضفى على المشهد أجواء استثنائية. ومنذ ذلك الحين، تحول استخدام الفوانيس إلى عادة سنوية احتفاءً بقدوم الشهر المبارك.

وثق المؤرخ تقي الدين المقريزي، في كتابه المعروف بـ"خطط المقريزي"، كيف اهتم الفاطميون اهتمامًا كبيرًا بالاحتفالات وتزيين الشوارع بالشموع والقناديل، مخصصين موارد ضخمة لتوفير الإضاءة في المناسبات الدينية، كما أشار إلى وصف دقيق للأجواء خلال رمضان، مثل تجهيز المساجد بالقناديل والزينة، وفرش ساحاتها بحُصر جديدة مع تعطير أركانها بالمسك والبخور، ما خلق حالة استثنائية من البهجة التي كانت تميز الشهر الفضيل.
وفي سياق آخر، توثق رواية تاريخية إضافية ارتباط الفوانيس بقرار الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي فرض على النساء عدم الخروج إلا في ليالي رمضان للصلاة أو الزيارات العائلية، بشرط أن يقودهن غلام صغير يحمل فانوسًا لإنارة الطريق وتحذير المارة، بمرور الوقت، ارتبطت الفوانيس بالأطفال والأجواء الاحتفالية الخاصة برمضان.

يتحدث الدكتور قاسم عبده قاسم، في أبحاثه حول الحياة الاجتماعية خلال العصر المملوكي ذات الجذور الفاطمية، عن تحول الإضاءة من مجرد أداة عملية إلى عنصر احتفالي وفلكلوري، كانت الزينة قديمًا تعتمد على الإضاءة الكثيفة بدلًا من المواد المستخدمة حاليًا كالورق والبلاستيك. ويصف المقريزي مشهد مسجد عمرو بن العاص خلال رمضان، حيث كان يضج بالقناديل المتوهجة ليلاً وتفترش أرضيته بالحُصر الجديدة، وسط عطور المسك والبخور التي تنشر عبقًا روحانيًا للمكان.
وكان استطلاع الهلال إيذانًا رسميًا ببدء رمضان وزينته، ووثق المستشرق الإنجليزي إدوارد ويليام لين مراسم رؤية الهلال خلال القرن التاسع عشر بمصر. تحدث عن موكب الاحتساب الذي كان يتقدمه القضاة وسط احتشاد الناس حاملين الفوانيس والمشاعل التي تضيء الشوارع والساحات احتفالًا بإعلان رمضان، هذا التقليد ساعد تدريجيًا في ترسيخ فكرة زينة الشوارع الرمضانية.

تحول الفانوس لاحقًا من أداة للإضاءة إلى رمز ثقافي وفني وترفيهي، وفقًا للمفكر أحمد أمين، كان الفانوس يصنع قديمًا من الصفيح والزجاج الملون، وكان الأطفال يجوبون به الأحياء مترنمين بأغانٍ شعبية مثل "وحوي يا وحوي"، التي تحمل كلماتها صدى جذور المصرية القديمة وتعبر عن الترحيب بالقمر.
في القرن العشرين، اتخذت الزينة أشكالاً أكثر تطورًا مثل الرايات المثلثة والديكورات المصنوعة يدويًا. في البداية، كانت المواد المستخدمة مجرد بقايا الأقمشة والورق القديم التي يُعاد تدويرها لصنع زينة معلقة بين الشرفات. لاحقًا أُدخل قماش الخيامية المطرز بنقوش عربية وإسلامية الذي أصبح رمزًا مميزًا للديكور الرمضاني، هذا الفن العريق الذي يعود إلى الحقبة المملوكية لا يزال يزين المنازل والشوارع ومآدب الإفطار الجماعية حتى اليوم، ليبقى شاهدًا حيًا على عراقة التقاليد الرمضانية المصرية.