عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نظرة ليبرالية

للقضايا البائسة وجوه أخرى، وفي الديمقراطيات الراسخة، لا تختزل العدالة في حكم قضائي، ولا تختصر كذلك في نصوص قانونية جامدة، بل تقوم على منظومة متكاملة من الشفافية والمساءلة وتوازن السلطات، وحين تتعثر إحدى هذه الركائز، تتقدم أخرى لتعويض الخلل. 

 

في قضية جيفري إبستين، لم يكن القضاء هو من أعاد فتح الملف، بل الصحافة، وهنا تتجلى إحدى أهم ضمانات الدولة القانونية، في حرية الصحافة بوصفها خط الدفاع الأخير عن العدالة.

 

لم يكن السقوط الثاني لإبستين وأصدقائه نتيجة تحقيق أمني أوقضائي، بل بدأ بشك مهني راود صحفية عنيدة في صحيفة محلية بجنوب فلوريدا، فقط رفضت جولي ك. بروان قبول الرواية الرسمية التي أُغلقت بها القضية عام 2008، وقررت إعادة فحص ألاف الأوراق التي اعتبرها كثيرون ملفا منسيا.

 

وهكذا تحولت الشكوك الصحفية إلى تحقيق منهجي، ثم إلى قضية رأي عام أعادت ترتيب المشهد القانوني والسياسي بأكمله في الولايات المتحدة وخارجها.

 

لم تكن ميامي هيرالد بحجم مؤسسات كبيرة مثل واشنطن بوست او نيويورك تايمز لكنها امتلكت إرادة  مهنية واستقلال تحريري كافيين، فمن خلال تحقيق حمل عنوان Perversion of Justice، كشفت الصحيفة أربع حقائق أعادت تحريك العدالة بعد أحد عشر عاما من الجمود.

 

أولا، وجود اتفاق غير معلن بين الادعاء الفيدرالي في فلوريدا ومحامي إبستين، منح المتهم عقوبة مخففة بصورة استثنائية لا تنسجم مع جسامة الاتهامات.

ثانيا، عدم إخطار الضحايا رسميا بالصفقة، في مخالفة صريحة لحقوقهن القانونية.ثالثا، تأثير شبكة علاقات واسعة ساهمت في إدارة الملف بعيدا عن التدقيق الإعلامي، رابعا وجود تناقضات داخل الملف القضائي لم تفحص بالقدر الكافي، ما سمح بإغلاق القضية فعليا دون مساءلة حقيقية.

 

هذه الحقائق التي كشفت لا تدين فردا فحسب، بل تطرح سؤالا  أعمق كيف يمكن للمال والنفوذ أن يعيدا تشكيل مسار العدالة داخل أنظمة يفترض أنها تقوم على المساواة أمام القانون؟ هنا تحديدا دخلت حرية الصحافة كآلية تصحيح مؤسسية تعوض خلل العدالة التقليدية.

 

بدأت المجاهدة الصحفية براون تحقيقها عام 2017، واستمرت لثلاثة أعوام من العمل المتواصل، والنفس الطويل وتحدي المخاطر حتى اجبرت القضاء الفيدرالي علي  أُعادة فتح القضية عام 2019. ومع تصاعد الضغط العام، الذي تضمن نشر شهادات عشرات الضحايا، اضطر أكسندر كوستا، المدعي الفيدرالي المسؤول عن صفقة 2008، إلى الاستقالة من منصبه كوزير للعمل في إدارة Donald Trump وقتئذ.

 

 لم يكن هذا التطور مجرد انتصار شخصي لصحفية مجتهدة، بل دليلا على أن المساءلة تظل ممكنة حين يتوافر الضوء والمساحة.

 

الأهم من إعادة فتح القضية كان إعادة الاعتبار للضحايا اللواتي لم يمنحن حق المعرفة أو المشاركة في مسار العدالة الأول. فقد أظهرت التحقيقات أن عددا منهن لم يكن معروفا وقت الصفقة، وهو ما كشف خللا في كيفية إدارة الملف. وهنا يتجاوز الأمر حدود الخطأ الإجرائي إلى سؤال أخلاقي: هل كانت العدالة متاحة للجميع، أم كانت مشروطة بالقدرة والنفوذ؟

 

لا يدعي هذا المثال أن الصحافة أصلحت النظام برمته، لكنه يثبت أنها قادرة على كشف مواطن الخلل داخله. فالأنظمة التي تسمح بحرية التعبير تملك في داخلها آلية نقد ذاتي تمنع تحول النفوذ إلى حصانة دائمة. أما حين تقيد الصحافة، فإن الخلل يبقى مستترا، ويتحول القانون من أداة مساواة إلى أداة انتقائية.

 

قضية إبستين لم تكن اختبارا لشخص واحد، بل اختبارا لقدرة المؤسسات على مراجعة ذاتها. والنتيجة، نعم يمكن لسلطة الكلمة أن تعيد التوازن. ولهذا فإن حرية الصحافة ليست مجرد قيمة نظرية، بل شرط عملي لاستمرار الدولة القانونية.

 

فالعدالة لا تموت فقط حين يغيب القضاء العادل، بل حين يغيب المناخ الذي يكشف الظلم. وحين تسكت الصحافة، تتحول العدالة من حقٍ عام موضوعي إلي صورة باهتة إنتقائية.