يشهد العالم اليوم تحولًا يعيد تشكيل مراكز التأثير في الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ لم تعد القوة الاقتصادية تعتمد فقط على الإنتاج أو رأس المال، بل أصبحت تقوم على امتلاك أدوات التقنية الحديثة. هذا التحول يقوم على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في القدرة على تشغيل الحواسيب الضخمة التي تُدرَّب عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، وتوافر قواعد بيانات منظمة يمكن استخدامها في تطوير هذه النماذج، ووضع القواعد والمعايير التي تنظم كيفية تطبيق التقنيات في مجالات حيوية مثل الطب والمال والتعليم والإعلام.
هذه المحاور أصبحت محركات أساسية للاقتصاد العالمي، لأنها تحدد سرعة الابتكار واتجاهه، وبالتالي تحدد من يمتلك القدرة على خلق القيمة الاقتصادية الجديدة. ولكن عندما تتركز هذه القدرات في أيدي عدد محدود من الدول أو الشركات، يزداد نفوذها الاقتصادي والتقني، ويتراجع استقلال الآخرين في رسم سياساتهم واتخاذ قراراتهم. عندها تظهر ما يمكن تسميته بـ "السيادة الرقمية"، وهي شكل جديد من النفوذ يتيح توجيه سلوك الأفراد والمؤسسات والتحكم في الفرص الاقتصادية والاجتماعية من خلال التكنولوجيا.
فهم بنية منظومات الذكاء الاصطناعي
ولفهم طبيعة هذا التحول، من المهم النظر في الكيفية التي تعمل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها. فهذه الأنظمة تعتمد على سلسلة مترابطة تبدأ بجمع البيانات وتنظيمها وتفسيرها، ثم معالجتها باستخدام أجهزة حوسبة متقدمة ومرتفعة التكلفة، وتنتهي بتحويل النتائج إلى خدمات تدخل في تفاصيل الحياة اليومية.
في كل حلقة من هذه السلسلة يوجد مصدر مستقل للقوة، فقد تكون شركة تتحكم في تدفق البيانات، أو مصنعًا يمتلك الشرائح الإلكترونية، أو مختبرًا يضع بروتوكولات تدريب النماذج، أو جهة تنظيمية تحدد القواعد التي تحكم استخدامها.
وعندما تغيب الرؤية التي تربط هذه الحلقات بالصالح العام، تتحول التكنولوجيا إلى اقتصاد مُغلق يضاعف أرباح فئة محدودة، بينما يترك تكاليف اجتماعية واقتصادية واسعة يتحملها الجميع.
اختلال موقع الاقتصادات النامية في السلسلة الرقمية
في ظل هذا الواقع، تواجه الاقتصادات النامية تحديًا أساسيًا يتمثل في بقائها على أطراف منظومة الذكاء الاصطناعي، إذ تكتفي بتوريد البيانات الخام واستهلاك الخدمات، من دون امتلاك القدرة على التصميم أو بناء بُنى حوسبية مستقلة.
والنتيجة أسواق واسعة لكنها تفتقر إلى معايير محلية وأدوات تقييم فعالة، ما يجعل التعامل مع الذكاء الاصطناعي يتم وكأنه منتج جاهز لا منظومة قابلة للتطوير.
في المقابل، تواجه الاقتصادات المتقدمة تحديًا مختلفًا يتمثل في تسارع الابتكار الذي يتجاوز قدرة التشريعات على المواكبة، إضافة إلى تراكم المخاطر التقنية التي تتطلب أدوات فحص دقيقة وقابلة لإعادة التحقق، لا مجرد رقابة شكلية.
التوازن بين الابتكار والصالح العام
ولكي تكون الاستجابة فعالة، لا بد من تحديد هدف واضح يقوم على تحقيق توازن معرفي يسمح باستمرار الابتكار مع ضبط مخاطره، ويضمن أن تستفيد المجتمعات من القيمة التي تولدها بياناتها. ويتطلب هذا التوازن أدوات تنفيذ عملية يمكن قياس نتائجها خلال ثلاث إلى خمس سنوات، من خلال أربعة مسارات مترابطة تعمل معًا بشكل متكامل.
يرتكز المسار الأول على مبدأ أن القدرة الحوسبية يجب أن تكون متاحة للجميع، وألا تظل حكرًا على الشركات الكبرى أو جهات محدودة. ويمكن تحقيق ذلك بإنشاء مراكز إقليمية للحوسبة تُدار بالشراكة بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص. تتيح هذه المراكز للباحثين والمؤسسات الصغيرة استخدام قدراتها بتكاليف معقولة، مما يفتح المجال أمام الابتكار دون عوائق مالية. كما تُخصَّص فترات استخدام لدعم مشروعات تخدم مجالات الصحة والتعليم والبيئة، مع تطبيق قواعد واضحة لحماية خصوصية البيانات. وعندما تتوافر مثل هذه البنى التقنية، تصبح الدول قادرة على الانتقال من استيراد نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تطوير نماذج محلية بلغاتها ووفق احتياجاتها الفعلية.
المسار الثاني: البيانات كأصل اقتصادي
يُنظر في هذا المسار إلى البيانات باعتبارها موردًا له قيمة اقتصادية حقيقية. ويُفترض أن تُدار من خلال صناديق مستقلة بعقود واضحة تضمن حقوق الجميع، بحيث تلتزم الجهات التي تجمع البيانات من المستشفيات أو المدارس بإعادة جزء من الفائدة إلى المجتمع الذي قدّم هذه البيانات، سواء على شكل خدمات أو دعم مالي أو تطوير للبنية الصحية والتعليمية.
كما يجب أن تكون المعلومات عن كيفية استخدام البيانات متاحة للجمهور عبر تقارير دورية توضّح أين استُخدمت البيانات وما النتائج التي حققتها، حتى يشعر الناس أن بياناتهم تُستخدم بطريقة عادلة وشفافة.
المسار الثالث: الشفافية كأداة للمساءلة
المسار الثالث يركز على تطبيق مبدأ الشفافية بطريقة يمكن قياسها ومتابعتها. ويتحقق ذلك من خلال إنشاء سجل واحد يجمع المعلومات الأساسية عن كل نظام ذكاء اصطناعي، مثل نوع البيانات التي استُخدمت في تدريبه، وكيف جرى التعامل معها، ونتائج الاختبارات التي تُبيّن مدى دقته وخلوه من الانحياز قبل طرحه للاستخدام وبعده. ويساعد هذا السجل على تمكين الجهات المستقلة من مراجعة الأنظمة بدقة، كما يوفّر للحكومات والمؤسسات قاعدة واضحة يمكن الاعتماد عليها عند شراء أو اعتماد أي نظام ذكي.
ولضمان مصداقية هذه العملية، يمكن إنشاء شبكة من المختبرات المتخصصة لاختبار النماذج في مجالات حساسة مثل الطب والتمويل والتوظيف، بحيث تُصدر هذه المختبرات تقارير دورية، مفصلة للجهات التنظيمية المختصة تتضمن ملاحظات وتوصيات عملية وأخرى موجزة للعامة.
المسار الرابع: بناء القدرات المحلية
المسار الرابع يركز على بناء قدرات محلية مستدامة من خلال برامج تدريب مكثفة تمتد لعدة أشهر، وتهدف إلى إعداد كوادر متخصصة في مجالات مثل هندسة البيانات، وإدارة المخاطر، والتعامل مع العقود التقنية. وترتبط هذه البرامج بمشروعات حكومية واقعية، مثل تطوير السجلات الصحية الرقمية، أو أنظمة الإنذار المبكر، أو منصات التعليم المصممة وفق اللغة والسياق المحلي. ويُقاس نجاح هذه الجهود بما تحققه من نتائج ملموسة، مثل عدد المشروعات المنجزة وزيادة الاعتماد على الأدوات مفتوحة المصدر، وارتفاع كفاءة الكوادر الوطنية القادرة على تطوير حلولها التقنية الخاصة، إضافة إلى توسيع التعاون بين الجامعات والقطاعين العام والخاص في تنفيذ هذه المشروعات، بما يضمن استمرار الأثر بعد انتهاء البرامج التدريبية.
تكامل المسارات في الرؤية
ترتبط هذه المسارات ببعضها ارتباطًا وثيقًا ولا يمكن أن تعمل كلٌّ منها بمعزل عن الأخرى، فمركز الحوسبة من دون نظام منظم لإدارة البيانات يفقد فائدته العامة، وصندوق البيانات من دون سجل واضح واختبارات شفافة يصبح معرضًا لإساءة الاستخدام، وبرامج التدريب التي لا تتصل بمشروعات واقعية تفقد أثرها داخل المؤسسات. والرؤية الاستراتيجية الفعالة هي التي تجمع هذه المسارات في إطار عمل واحد يقوم على تمويل مرتبط بمعايير شفافية، وإتاحة متوازنة للحوسبة مقابل الالتزام باختبارات السلامة، إضافة إلى حوافز استثمار تُصرف فقط بعد تحقق مؤشرات الخدمة العامة القابلة للقياس.
المعيار الحقيقي لنجاح هذه السياسات هو ما تُحدثه من نتائج واقعية يمكن قياسها، مثل خفض تكلفة الحوسبة أمام الباحثين والمبتكرين، وضمان حصول المجتمعات على حصة مُعلنة من الفوائد الناتجة عن بياناتها، وتوفير تقارير واضحة لاختبار الأنظمة قبل تشغيلها في القطاعات الحيوية، وزيادة المحتوى المحلي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية ولغات الدول النامية. وعندما تتحقق هذه النتائج، يصبح الاقتصاد أكثر توازنًا، ويتسارع الابتكار في الاتجاه الصحيح، وتقوم المنافسة على جودة الحلول وفتح المجال أمام أفكار جديدة ومبادرات محلية قادرة على الإسهام في الابتكار العالمي.