رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

كان يوماً مختلفاً يوماً يحتفي بالأدب و ينتصر للزمن ويتجاوزه في آنٍ واحد. مناقشة رسالة ماجستير للباحثة نجلاء سعيد،  بعنوان سؤال الهوية في أدب الخيال العلمي رواية السيد من حقل السبانخ لصبرى موسى نموذجاً ،لم تكن مجرد فعالية أكاديمية عابرة، بل كانت لحظة استعادة حقيقية لكاتب سبق عصره، و لا يزال يطرح أسئلة أكثر إلحاحاً اليوم مما كانت عليه عند صدوره.
فعندما كتب صبرى موسى روايته السيد من حقل السبانخ أثارت جدلاً واسعاً لم يكن الخلاف حول قيمتها الفنية فحسب، بل حول جرأتها في اقتحام عالم الخيال العلمي، وهو جنس أدبي لم يكن قد ترسّخ عربياً بعد بالشكل الكافي. بدت أفكار الرواية آنذاك صادمة أو بعيدة الإحتمال، هاتف يحمل في ساعة، تقنيات استنساخ، ذكاء إصطناعي، تحولات جذرية في شكل الحياة الإنسانية، لكن ما بدا خيالاً جريئاً بالأمس أصبح واقعاً نعيشه اليوم. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لقد لحق الواقع بالرواية، وأصبح القارئ المعاصر يقرأها بعين مختلفة، عين تعرف أن المستقبل  الذي تخيله الكاتب قد صار حاضراً
غير أن إختزال الرواية في بعدها التنبؤي يظلمها. فالقيمة الحقيقية للنص لا تكمن في دقة إستشرافه للتطورات التقنية، بل في عمقه الفلسفي، وفي السؤال  الذي يدور في خلفيته ماذا يحدث لهوية الإنسان حين تتغير شروط وجوده؟ و تمتد يد التقنية إلى الجسد والعقل والذاكرة، هل يبقى الإنسان كما هو؟ أم أن هويته تصبح مشروعاً قابلاً لإعادة التشكيل؟
سؤال الهوية في الرواية ليس سؤالاً سطحياً يتعلق بالإسم أو الإنتماء الإجتماعي، بل هو سؤال وجودي يمس جوهر الحياة. في عالم تتداخل فيه حدود الإنسان والآلة، ويتراجع فيه اليقين أمام سطوة العلم، تصبح الهوية مهددة بالذوبان ،وهنا تبرز براعة صبرى موسى في تحويل الخيال العلمي من إطار تقني إلى مساحة تأمل إنساني عميق. فالتقنية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لطرح أسئلة أكبر عن الحرية، والإرادة، والخصوصية، والكرامة الإنسانية.
اللافت أن الجدل الذي أُثير حول الرواية عند صدورها يمكن فهمه اليوم بوصفه رد فعل طبيعياً تجاه نص سبق زمنه  كثير من الأعمال الإبداعية لا تُستقبل بحفاوة في لحظة ظهورها،ولكن رواية السيد من حقل السبانخ كتب عنها مئات الدراسات النقدية لكبار الكتاب والنقاد، و تبدو قراءة السيد من حقل السبانخ اليوم أكثر ثراءً فنحن لا نقرأها بوصفها تنبؤا، بل بوصفها مرآة
إن اهتمام الباحثين الشباب اليوم بإعادة قراءة أعمال مثل هذه يمنحها حياة جديدة فالدراسات الأكاديمية الجادة لا تكتفي بشرح النص، بل تعيد مساءلته، وتضعه في سياقات فكرية وفلسفية معاصرة. حين تختار باحثة شابة أن تتناول سؤال الهوية في رواية كتبت قبل عقود، فهي لا تلتفت إلى الماضي بقدر ما تحاور الحاضر من خلاله. وهنا تتجلى وظيفة كلية دار العلوم التى حولها الشاعر والكاتب الكبير الدكتور أحمد بلبولة إلى خلية إبداع،وكان محفزاً حقيقياً للباحثة وأشرف على رسالتها ،و أشاد بمجهودها وقدرتها على البحث والتحليل لتؤكد أن الشباب يبحث عن القيمة الإبداعية الحقيقية  ،واثنى المناقشون على الرواية التى تحمل لون ابداعى حاضر أصبح حقيقة وواقع ،وهذا مااكده المناقشون الدكتور حمودة سعيد المصري المدرس بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة،والدكتورة جهاد محمود عواض أستاذ الأدب المقارن والنقد الأدبي الحديث المساعد بكلية الألسن جامعة عين شمس ،والدكتور حامد أحمد الشيمي أستاذ الدراسات الأدبية المساعد بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة .
كان من المؤلم  والجميل في الوقت نفسه  أن نتخيل صبرى موسى وهو غائب بجسده حاضر بإبداعه. كم كان سيكون فخوراً بأن يرى الشباب يعيدون قراءة نصوصة ويناقشونها في رسائل علمية، ويستخرجون منها أسئلة لم تزل مفتوحة. ربما فعل هؤلاء الباحثون ما لم يفعله بعض النقاد اليوم 
فالباحثة نجلاء  منحوا النص فرصة ثانية، وقراءة أكثر عمقاً واتساعاً
إن السيد من حقل السبانخ ليست مجرد رواية خيال علمي، بل نص يستحق أن يُقرأ من جديد، في ضوء عالم تتسارع فيه التحولات التقنية بشكل غير مسبوق. نحن نعيش اليوم في زمن الساعات الذكية، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتلاعب الجيني. وفي خضم هذا كله، يعود سؤال الهوية ليصبح أكثر إلحاحًا: من نحن في عالم تصنعه الخوارزميات؟ وأين ينتهي الإنسان وأين تبدأ الآلة؟
ربما تكمن عظمة الأدب في قدرته على طرح الأسئلة قبل أن نضطر إلى الإجابة عنها وصبرى موسى كان من هؤلاء الذين كتبوا المستقبل، لا ليبهروا القارئ، بل ليوقظوه. ولهذا، فإن روايته ليست صفحة من الماضي، بل نص مفتوح على الحاضر، وربما على ما هو أبعد
هي بالفعل رواية تُقرأ من جديد لأننا  أصبحنا نعيش داخل أسئلتها