يلعب الاتحاد الإفريقي دورًا محوريًا في رسم ملامح المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في القارة، ليس فقط باعتباره مظلة جامعة لـ55 دولة، بل باعتباره منصة لإدارة التوازنات الحساسة بين السيادة الوطنية والمصالح الإقليمية المشتركة. وخلال هذا العام، بدا واضحًا أن الاتحاد يتحرك في مساحة ضيقة بين تصاعد الأزمات الأمنية، وضغوط اقتصادية خانقة، وتحولات دولية تعيد تشكيل موقع أفريقيا في النظام العالمي.
القمة الأخيرة التي انعقدت في أديس أبابا، بمشاركة معظم الدول الأعضاء، عكست حجم التحديات المطروحة على الطاولة. من منطقة الساحل التي تعاني تمدد الجماعات المسلحة، إلى القرن الأفريقي حيث التوترات بين إثيوبيا وإريتريا تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي، مرورًا بالأزمة السودانية، والانقلابات العسكرية في غرب ووسط أفريقيا. هذه الملفات لم تعد قضايا محلية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد على فرض مقاربته القائمة على “إسكات البنادق” وترسيخ الحكم الدستوري.
أمنيًا، ركّز الاتحاد على تفعيل آليات الإنذار المبكر، ودعم بعثات حفظ السلام الأفريقية، والسعي للحصول على تمويل مستدام لعملياته بدل الاعتماد الكامل على الشركاء الدوليين. كما أعاد التأكيد على رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات، مع استمرار تعليق عضوية بعض الدول التي شهدت انقلابات، في رسالة سياسية تهدف إلى تثبيت معايير واضحة للحكم الرشيد. غير أن التحدي الحقيقي ظل في كيفية تحويل هذه القرارات إلى أدوات ضغط فعّالة، خصوصًا في ظل تنامي نفوذ قوى دولية تتنافس داخل القارة.
اقتصاديًا، كان ملف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية أحد أبرز الملفات المطروحة، باعتبارها المشروع الأهم لتحقيق التكامل الاقتصادي وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام. النقاش هذا العام اتجه نحو تسريع تنفيذ التعريفات التفضيلية، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وربط الموانئ والمناطق الصناعية، بما يسمح بتحويل أفريقيا من سوق استهلاكي إلى قاعدة إنتاج حقيقية. كما طُرح ملف الديون السيادية، حيث دعت القمة إلى إصلاح النظام المالي الدولي وإعادة هيكلة ديون الدول الأكثر تضررًا، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميًا.
أما ملف التغير المناخي، فقد حضر بقوة، خاصة مع تزايد الكوارث الطبيعية في شرق وجنوب القارة. شدد القادة على ضرورة حصول أفريقيا على تمويل مناخي عادل، وتعويضات عن الخسائر والأضرار، مؤكدين أن القارة الأقل إسهامًا في الانبعاثات هي الأكثر تضررًا من آثارها. في السياق ذاته، طُرح موضوع التحول في مجال الطاقة، مع التركيز على الاستفادة من موارد الغاز والمعادن الاستراتيجية اللازمة لاقتصاد الطاقة النظيفة، بما يحقق توازنًا بين التنمية وحماية البيئة.
دبلوماسيًا، واصل الاتحاد مساعيه لتعزيز تمثيل أفريقيا في المؤسسات الدولية، خاصة بعد حصوله على مقعد دائم في مجموعة العشرين، وهو تطور اعتُبر إنجازًا سياسيًا مهمًا يعكس ثقل القارة المتزايد. كما سعى إلى تنسيق المواقف الأفريقية في القضايا العالمية، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمات الغذاء وسلاسل الإمداد، محاولًا تجنب الانحياز الحاد لأي محور دولي.
نتائج هذا العام يمكن وصفها بأنها خطوات تثبيت وإعادة تموضع أكثر منها اختراقات كبرى. صدرت توصيات واضحة بتعزيز آليات فض النزاعات داخل القارة، وتسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة، وتوسيع الاستثمار في الشباب والمرأة باعتبارهما ركيزة الاستقرار طويل الأمد، إضافة إلى الدفع نحو إصلاح مؤسسات التمويل الدولية بما يمنح أفريقيا صوتًا أقوى. لكن يبقى الرهان الحقيقي على الإرادة السياسية للدول الأعضاء، وعلى قدرة الاتحاد على الانتقال من صياغة البيانات الختامية إلى فرض التزامات ملزمة.
في النهاية، يتأرجح دور الاتحاد الأفريقي بين الطموح والواقع. فهو الكيان الذي يحمل حلم الوحدة والتكامل منذ تأسيسه خلفًا لمنظمة الوحدة الأفريقية، لكنه أيضًا يواجه شبكة معقدة من المصالح الوطنية والتدخلات الخارجية. هذا العام أكد أن القارة تدرك حجم التحدي، وأنها تحاول صياغة مشروعها الجماعي بوعي أكبر، لكن الطريق نحو “أفريقيا مستقرة ومزدهرة” ما زال يحتاج إلى قرارات أكثر جرأة، وتنفيذ أكثر صرامة، وإيمان حقيقي بأن العمل الجماعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية.