رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

هذا العنوان للشاعر الجميل الحاضر رغم الغياب صلاح عبد الصبور، وقد اختاره عنوانا لديوان له صدر سنة 1957 ، لكنني أتذكره وأنا أكتب اليوم مقالي عما جرى للناس في يلادي من تغير مُحزن. فمشهد ما حدث في بنها مؤخرا من تجريس وفضح وانتهاك لكرامة شاب طلب الزواج من ابنة عائلة مرموقة، ينم عن توحش نفوس، وتوسع قسوة، واعتياد قُبح.

 لقد صار مخُيفا لجوءبعض الناس إلى سطوة القوة وجبروت العنف للتعبير عن مواقفهم. وهكذا يطل الانحدار الأخلاقي علينا كُل حين عبر مشهد قاس، أو حادث عنف مُنبها ومُحذرا من سوس مستشري يلتهم سمات التحضر في مُجتمعنا.

ما هذه مصر، ولا هؤلاء ناسها. ترجرجرت القيُم وتفتتت مظاهر الرُقي وانحدر الذوق العام بفضل موجات تسطح وشيوع تفاهة عارمة وتفشي جهالات نشطة.

 انفرطت منظومة القيّم في المجتمع تدريجيا، فانخلع الناس من المؤسسات، دينية وسياسية وثقافية وقانونية، وساروا خلف شخوص أعجبهم تحققهم بغض النظر عن المسار والأسلوب. 

لم يعد نجوم الوطن هُم مفكروه، ولا علماؤه، ولا أصحاب الأدمغة النشطة، وإنما صُناع الترافيك، وأثرياء الصدفة، وتجار المواقف واللقطات.

 نسي الناس توفيق الحكيم، وسلامة موسى، ومحمد فوزي، ويحيي حقي، ومصطفى مشرفة، ومحمود مُرسي، وصلاح عبد الصبور، وتحلق الشباب حول ويجز، وكسبرة، وأم جاسر، ورموز التريندات. تغيّرت القدوة بفضل سطوع نجوم الفتونة والعنف بأعمالهم المؤثرة فبات محمد رمضان، وأحمد العوضي، ومحمد سامي هم الأكثر حضورا وتأثيرا. تسيّد أنصاف وأرباع المؤهلين علميا وقيميا وأخلاقيا في مقاعد عُليا، زُيفت الصور، وزورت الحقائق، وتردت المعان، فخفت الجمال.

على مدى خمسين عاما وأكثر تهاوى قطار المُجتمع القيمي بصورة لم تشهدها مصر من قبل عقب صدمة هزيمة يونيو 1967. وعندما لجأ البعض إلى الدين لينقذ ما يُمكن انقاذه في هذا المجتمع الكبير، تم تحريف التوجه لتوظيف قشوره في مزيد من العنف والتعصب والانغلاق. فطالت الذقون، وقصرت الهمم، وانتشرت المسابح، وانزوى التسامح، ودخل الحجاب كل بيت، وخرج الذوق وحسن المعاملات ومحبة الآخرين من النفوس.

بعين المثقف، ألمح تعرج الخط العام للتحضر في مصر. بالمصادفة أشاهد لقطات من حفلات أم كلثوم في الخمسينات والستينات فأبصر ناسا غير الناس، وجوها هادئة، وملابس أنيقة، ومظاهر بهجة رائقة مُتحضرة. أشاهد في الأفلام القديمة مشهد فتح الزوج باب السيارة لزوجته، وأستغرب كيف لم أبصره واقعا في أيامنا الآنية.

أسأل نفسي كثير من الأسئلة ولا أجد إجابة شافية : فمثلا لماذا لم يعد احترام المرأة في بلادنا أصيلا كما كان، فلا يتحرش بها حيوان بشري، ولايؤذها مؤذ، وتمضي في الحياة بيسر وسلاسة؟ ما يدفع كثيرون إلى استسهال إدانة المرأة دائما أيا كان الموقف والتمترس ضد هذا الكائن الأضعف؟ ثُم كيف يعود إحساس الناس مرة أخرى بالفن والثقافة والجمال؟ وكيف يُدرك كل ذي لب عمليا  أن الدين هو المعاملة، وأن الرحمة بالإنسان والحيوان فوق كل اعتبار؟ ومتى تختفي مشاهد الجلسات العرفية والأحكام الشعبية واتفاقات البشعة، ليعلو مبدأ سيادة القانون كل شئ؟

والأهم من ذلك كله : متى تعود مصر إلى مصر؟

الله أعلم

مصطفى عبيد 

[email protected]