رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحروق في مصر… لماذا نتحرك بعد فوات الأوان؟

بوابة الوفد الإلكترونية


كل عام، يدخل ما بين 80 إلى 100 ألف مصاب حروق إلى المستشفيات في مصر.
رقم ليس صغيرًا. رقم لا يمكن اعتباره “عرضيًا”. رقم يكفي وحده لإعلان حالة طوارئ صحية مستمرة.
لكننا لا نفعل.
الحروق ليست مجرد إصابة جلدية، بل كارثة طبية قد تمتد آثارها لسنوات، وقد تنتهي بوفاة ما يقارب 10% من الحالات. أكثر من نصف الإصابات من الدرجة الثالثة، ونحو 20% تصل إلى الدرجة الرابعة، وهي درجات تتطلب عناية مركزة، وجراحات دقيقة، وإمكانيات عالية لا تتوفر دائمًا.
والأكثر إيلامًا أن الضحايا في الأغلب أطفال ونساء وكبار سن، من أسر لا تملك رفاهية العلاج طويل الأمد.
أزمة تجهيزات… أم أزمة أولويات؟
لا تزال مراكز علاج الحروق المتخصصة محدودة، وغرف العمليات المجهزة غير كافية، وسيارات الإسعاف المهيأة لهذه الحالات أقل من المطلوب.
ثم نصل إلى العقدة الأكبر: الجلد الطبي المستخدم في الترقيع.
في كثير من الحالات يتم اللجوء إلى الاستيراد بالعملة الصعبة، ما يجعل تكلفة الحالة الواحدة أحيانًا خيالية، وقد تتجاوز الملايين.
أسرة مصرية بسيطة، طفل لم يتجاوز العاشرة، سيدة مسنة… من أين لهم بهذه الأرقام؟
السؤال الصريح:
هل نعجز فعلًا؟ أم أننا لم نرتب أولوياتنا بعد؟
التبرع بالجلد… لماذا نخاف مما لا نفهمه؟
عندما طُرحت فكرة التبرع بالجلد، سادت موجة من القلق والرفض.
كثيرون تخيلوا الأمر وكأن المتبرع سيتعرض لتشويه أو “سلخ” أجزاء من جسده.
الحقيقة الطبية مختلفة تمامًا.
الإجراء يتم بأخذ رقع محدودة جدًا من مناطق غير ظاهرة، في عملية بسيطة نسبيًا، ولا تؤدي إلى ضرر دائم للمتبرع وفق الضوابط الطبية.
لكن المشكلة ليست في الطب…
المشكلة في نقص المعلومات.
الرأي الشرعي… بين النص والاجتهاد المسؤول
البعض استند إلى حديث: «كسر عظم الميت ككسره حيًا» لرفض الفكرة بالكامل.
لكن غالبية الفقهاء المعاصرين أجازوا التبرع بالأعضاء بضوابط واضحة.
وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية جواز التبرع بشروط، أهمها:
منع البيع والاتجار بالأعضاء
عدم إلحاق الضرر بالمتبرع
وجود ضرورة علاجية
الالتزام بالضوابط القانونية والطبية
بمعنى آخر:
التحريم ليس هو الأصل… بل التنظيم هو الأساس.
مفارقة تحتاج إلى مواجهة
المجتمع يتقبل التبرع بالكُلى، بالقرنية، بجزء من الكبد.
بل ويسعى البعض إلى شراء عضو – رغم التحريم القانوني والشرعي للاتجار – لإنقاذ قريب له.
فلماذا إذن يتحول الجلد إلى خط أحمر؟
الجلد هو أكبر أعضاء الجسم، وفقدانه يعني فقدان الحماية الأولى للحياة نفسها.
المصاب بالحروق الشديدة لا يحتاج تجميلًا… بل يحتاج فرصة للبقاء.
المشكلة الحقيقية: الصمت
الجدل الحاد الذي ظهر حول التبرع بالجلد كشف عن أمر أخطر من الخلاف نفسه:
نقص حاد في الوعي بحجم الكارثة.
نحن لا نتحدث بما يكفي عن:
أعداد المصابين سنويًا
نسب الوفيات
درجات الخطورة
تكلفة العلاج
نقص التجهيزات
نناقش الفكرة… ولا نناقش المأساة.
إلى متى؟
ملف الحروق في مصر يحتاج إلى:
توسع عاجل في مراكز الحروق المتخصصة
دعم حكومي لتوفير الجلد الطبي محليًا
حملات توعية طبية وشرعية
تشريع منضبط ينظم التبرع ويمنع الاتجار
القضية ليست طبية فقط.
وليست دينية فقط.
وليست اقتصادية فقط.
إنها قضية حياة.
بين الخوف من الفكرة، والخلاف حول النص، هناك طفل ينتظر عملية.
وهناك أمّ تحترق مرتين… مرة بالنار، ومرة بالعجز.
فهل نتحرك قبل أن يصبح الرقم القادم مجرد رقم جديد في الإحصاءات؟
دكتور محمد جمال البنا رئيس لجنة الصحة بوفد الشرقية