خلافات داخل وزارة العدل الأميركية تطيح برئيسة مكافحة الاحتكار
في تطور لافت داخل أروقة وزارة العدل الأمريكية، غادرت جيل سلايتر منصبها كرئيسة لقسم مكافحة الاحتكار، في خطوة تعكس عمق الخلافات داخل المؤسسة حول توجهات إنفاذ قوانين المنافسة في الولايات المتحدة، خاصة في ظل تصاعد الجدل بشأن صفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى.
جيل سلايتر، التي شغلت منصب مساعدة النائب العام لشؤون مكافحة الاحتكار، أعلنت رحيلها عبر منشور على منصة X، قالت فيه إنها تغادر منصبها بحزن عميق وأمل دائم، مؤكدة أن خدمتها في هذا الموقع كانت شرف العمر، ورغم أن الصيغة الرسمية للرحيل جاءت في إطار الاستقالة، فإن تقارير صحفية، من بينها ما نشرته صحيفة The Guardian، تشير إلى أنها أُجبرت فعليًا على مغادرة موقعها نتيجة خلافات حادة مع وزيرة العدل الأميركية بام بوندي.
الخلاف بين الطرفين لم يكن وليد اللحظة، بل يعود إلى أشهر، وتركز بالأساس حول نظرة سلايتر المتشددة تجاه اندماجات الشركات الكبرى، وهو توجه لم يلقَ قبولًا لدى بوندي، المعروفة بمواقف أكثر مرونة تجاه صفقات الاستحواذ.
وبحسب مصادر مطلعة، أعادت بوندي في الأسابيع الأخيرة التأكيد للبيت الأبيض على أن الخلاف في الرؤى بينها وبين سلايتر بات غير قابل للجسر، ما جعل استمرار التعاون بينهما أمرًا شبه مستحيل.
جيل سلايتر ليست اسمًا عابرًا في المشهد السياسي والقانوني الأميركي. فهي عملت سابقًا مستشارة للسيناتور جيه دي فانس، كما شغلت منصب نائبة رئيس في Fox Corp، ما منحها خبرة واسعة في ملفات السياسة والإعلام والاقتصاد. داخل وزارة العدل، عُرفت سلايتر بمواقفها الصارمة تجاه الاندماجات التي ترى أنها تهدد المنافسة وتخلق كيانات مهيمنة على حساب السوق والمستهلكين.
أحد أبرز ملفات الخلاف تمثل في محاولة سلايتر عرقلة اندماج Hewlett-Packard Enterprise مع Juniper Networks، سلايتر رأت أن الصفقة قد تؤدي إلى نشوء ثنائية احتكارية في مجالي الحوسبة السحابية والشبكات اللاسلكية، وهو ما اعتبرته تهديدًا مباشرًا للتنافسية.
كما أبلغت وزيرة العدل بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تبدِ اعتراضات أمنية على منع الصفقة. غير أن المشهد تغير لاحقًا، حين صرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف بأن حظر الاندماج قد يحمل مخاطر على الأمن القومي، عبر دفع بعض الأعمال إلى السوق الصينية. في نهاية المطاف، وافقت وزارة العدل، في ظل إدارة تميل إلى تشجيع الاندماجات، على إتمام الصفقة.
ولم يكن هذا الملف الوحيد الشائك، فإلى جانب بوندي، أشرفت سلايتر على مراجعة وزارة العدل لصفقة استحواذ مقترحة من Netflix على Warner Bros. Discovery، وهي صفقة حظيت بمتابعة سياسية وإعلامية مكثفة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب صرح في ديسمبر الماضي بأنه سيتدخل بنفسه في المراجعة التنظيمية، في ظل ضغوط مكثفة من Netflix وParamount، الأخيرة التي تقدمت بعرض استحواذ عدائي في السياق ذاته، كما كشفت The Wall Street Journal مؤخرًا أن وزارة العدل تحقق فيما إذا كانت Netflix قد مارست سلوكيات مناهضة للمنافسة خلال هذه العملية.
رحيل سلايتر يأتي أيضًا في توقيت حساس، إذ تستعد وزارة العدل لبدء محاكمة كبرى في قضية مكافحة الاحتكار ضد شركة Live Nation المالكة لـ Ticketmaster، الدعوى، التي رُفعت خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تتهم Live Nation بإدارة احتكار يضر بالمنافسة والجمهور ومنظمي الحفلات والفنانين. غياب سلايتر عن هذا الملف يطرح تساؤلات حول ما إذا كان النهج الصارم الذي تبنته سيستمر، أم أن القسم سيشهد تحولًا في أولوياته.
في المحصلة، لا يعكس خروج جيل سلايتر مجرد تغيير إداري، بل يسلط الضوء على صراع أوسع داخل الإدارة الأميركية حول مستقبل سياسات مكافحة الاحتكار، بين من يرى ضرورة تشديد الرقابة على الشركات العملاقة، ومن يفضل منح السوق مرونة أكبر حتى وإن كان ذلك على حساب المنافسة. هذا الصراع، على ما يبدو، مرشح للاستمرار في المرحلة المقبلة، مع تداعيات محتملة على كبرى الصفقات في عالم التكنولوجيا والإعلام.