في السنوات الأخيرة، ومع الانفجار الهائل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أنّ الصحافة تمرّ بمرحلة تحوّل عميقة؛ فقد انتقلت تدريجياً من مهنة تبحث عن المتاعب إلى مهنة تطارد الترند. هذا التغيير لم يحدث صدفة، بل نتج عن ضغط المنافسة الرقمية، وتغيّر سلوك الجمهور، والبحث المستمر عن نسب مشاهدة عالية.
في الماضي، كان الصحفي يُنظر إليه كصاحب رسالة حقيقية؛ مهمته الغوص في التفاصيل المعقّدة، وكشف الفساد، وتسليط الضوء على القضايا المهمّشة. كان معيار جودة العمل الصحفي هو الأهمية والتأثير، لا عدد الإعجابات ولا معدل المشاركة على المنصّات.
لكن اليوم، فرضت الخوارزميات واقعاً مختلفاً: الخبر الأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر قيمة. وباتت بعض المؤسسات الإعلامية تركّز على العناوين الجذّابة، المحتوى السريع، والموضوعات السطحية التي تواكب المزاج العام على الشبكات الاجتماعية. وهكذا أصبح الترند أحياناً هو البوصلة، حتى لو كان بعيداً عن جوهر الوظيفة الصحفية.
ورغم ذلك، لا يمكن القول إن الصحافة الجادّة قد اختفت؛ فما زالت هناك مؤسسات وصحفيون يقاومون موجة التفاهة الرقمية، ويصرّون على متابعة ملفات مهمة حتى وإن لم تحصد ملايين المشاهدات. غير أن التحدّي يظلّ كبيراً: كيف تحافظ الصحافة على رسالتها الحقيقية في زمن السرعة والمحتوى الخفيف؟
في النهاية، المطلوب هو إعادة التوازن بين ضرورة مواكبة الجمهور وبين التمسّك بأخلاقيات المهنة. فالترند قد يجلب الانتباه، لكن الحقيقة وحدها هي التي تمنح الصحافة قيمتها ودورها في المجتمع.