بينما توقفنا في المقال السابق عند نقد روبرت بلاكويل لمدرستي ضبط النفس والهيمنة الليبرالية، نواصل قراءة تقريره المثير للجدل "America Revived" والذي يتضمن تحليله النقدي لبقية المدارس التقليدية، كاشفاً عن عجزها في مواجهة تعقيدات النظام العالمي الجديد.
المدرسة الثالثة التي يتناولها بلاكويل هي مدرسة التوازن الخارجي (Offshore Balancing) وهي مدرسة واقعية تدعو واشنطن للانسحاب من الالتزامات الدائمة والتدخل فقط عن بُعد عند ظهور قوة إقليمية تهدد بالسيطرة على منطقة حيوية. ويصف بلاكويل هذه الاستراتيجية بأنها كسولة وتفتقر للمبادرة؛ ففي عصر الصواريخ فرط الصوتية والحروب السيبرانية، لم يعد ممكناً انتظار اشتعال الحريق للتدخل، لأن تكلفة إطفائه في عام 2026 ستكون أضعاف تكلفة الوجود الاستباقي.
ثم ينتقل التقرير إلى المدرسة الرابعة، وهي مدرسة القومية الأمريكية (American Nationalism) وتعتمد هذه المدرسة على تحصين الداخل الأمريكي من خلال الحمائية التجارية وإغلاق الحدود، معتبرة أن العالم الخارجي عبء مالي وأمني. ويراها بلاكويل استراتيجية قصيرة النظر، إذ يجادل بأن أمن المواطن في تكساس يبدأ من قدرة الأسطول الأمريكي على تأمين مضيق تايوان أو بحر الشمال. فالتخلي عن الموارد العالمية (مثل معادن جرينلاند) للخصوم يضعف القوة الشرائية والاقتصادية للأمريكيين في عقر دارهم.
أما المدرسة الخامسة، فهي النسخة الترامبية الأولى (Trumpism 1.0)، والتي قامت على شعار أمريكا أولاً بأسلوب صدامي يهاجم الحلفاء والمؤسسات الدولية بعنف. ورغم اتفاق بلاكويل مع بعض أهدافها الجريئة، إلا أنه يرى أنها تفتقر إلى العمل المؤسسي. فالأسلوب الصدامي غير المتوقع قد يحول العالم كله إلى أعداء، ويؤدي إلى تآكل الشرعية الأمريكية، مما يجعل واشنطن قوية لكن وحيدة، وهو وضع يسهل على الصين استغلاله لعزل أمريكا دولياً.
بانتهاء هذا التشريح القاسي للمدارس الخمس، يفتح بلاكويل الباب أمام تساؤل مصيري: إذا كانت كل هذه المدراس لا تصلح لمواجهة المستقبل، فما هو البديل؟
هنا تظهر المدرسة السادسة كحل استراتيجي، وهي المدرسة التي لا تنسحب، ولا تغرق في المثاليات، بل تفرض القيادة الحازمة وفق منطق جديد تماما،ً سنكشف أسراره وأعمدته الثلاثة في المقالات القادمة بإذن الله.