سبيس إكس تعيد ترتيب أولوياتها.. القمر قبل المريخ
في تحول لافت في خطاب طموحات الفضاء، أعلن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة سبيس إكس، أن الشركة قررت إعادة توجيه أولوياتها على المدى القريب، بالتركيز على بناء ما وصفه بـ«مدينة ذاتية النمو على سطح القمر»، بدلًا من الاستمرار في الدفع المباشر نحو مشروع الاستيطان البشري على المريخ، الذي طالما شكّل جوهر رؤيته المستقبلية.
وأوضح ماسك، في منشور عبر منصة «إكس»، أن استهداف القمر يُعد خيارًا أسرع وأكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بالمريخ، مشيرًا إلى أن بناء مدينة قمرية يمكن إنجازه خلال أقل من عشر سنوات، بينما يتطلب تحقيق الهدف نفسه على الكوكب الأحمر أكثر من عشرين عامًا، وفق تقديراته الحالية.
ويُعد هذا التصريح بمثابة مراجعة استراتيجية لطموحات سبيس إكس، خاصة أن ماسك لطالما روّج لفكرة المريخ باعتباره «الوجهة النهائية» للبشرية خارج كوكب الأرض، إلا أن حديثه الأخير يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيدات التنفيذ، خصوصًا فيما يتعلق بالجدول الزمني واللوجستيات، وهو ما دفع الشركة – بحسب ماسك – إلى تبني نهج تدريجي يبدأ بالقمر.
ويرى مؤسس سبيس إكس أن القمر يمثل بيئة اختبار أكثر واقعية لإثبات المفهوم، نظرًا لقربه النسبي من الأرض، وسهولة التخطيط لرحلات الإطلاق، مقارنة بالمريخ الذي تحكمه نوافذ إطلاق ضيقة تتكرر كل نحو 26 شهرًا، هذا القرب الجغرافي، بحسب ماسك، يسمح بتكرار التجارب بسرعة أكبر، ومعالجة الأخطاء دون المخاطرة بمهمات طويلة ومعقدة.
لكن تصريحات ماسك لم تمر دون إثارة الجدل، خاصة في ظل سجله المعروف بالتفاؤل الزمني المفرط. ففي عام 2017، سبق أن أعلن أن أول مستوطنين على المريخ قد يصلون بحلول عام 2024، وهو ما لم يتحقق، ومع ذلك، عاد ماسك ليؤكد في ردود لاحقة على منشوره الأخير أن مشروع المريخ لم يُلغَ، بل سيتم العمل عليه بالتوازي مع مشروع القمر، على أن يكون القمر هو نقطة الانطلاق الأولى.
وقال ماسك إن «المريخ سيبدأ خلال خمس أو ست سنوات»، متوقعًا أن تسير خطط القمر والمريخ جنبًا إلى جنب، لكن مع تركيز أولي على القمر، كما أشار إلى أن أول رحلة مأهولة إلى المريخ قد تتم في عام 2031، وهو تاريخ ينسجم مع تقديراته الجديدة، وإن ظل محل تشكك لدى كثير من المراقبين.
اللافت أن هذا التوجه الجديد يتناقض مع تصريحات سابقة لماسك. ففي مطلع العام الماضي، وصف القمر بأنه «تشتيت للانتباه»، مؤكدًا أن سبيس إكس ستتجه «مباشرة إلى المريخ»، جاء ذلك ردًا على محللين في قطاع الفضاء تحدثوا عن أهمية الموارد القمرية، وعلى رأسها مادة «الريغوليث» المنتشرة على سطح القمر، والتي تحتوي على نسب مرتفعة من الأكسجين.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بعد أن أثبتت وكالة ناسا، في عام 2023، إمكانية استخراج الأكسجين من تربة القمر، ما يعني تقليل الحاجة إلى نقل كميات ضخمة من الأكسجين السائل من الأرض، وهو عنصر أساسي للوقود والتنفس، ويرى خبراء أن استغلال هذه الموارد قد يشكل حجر الأساس لأي وجود بشري طويل الأمد على القمر، وربما لاحقًا على المريخ.
وتأتي تصريحات ماسك في وقت تلعب فيه سبيس إكس دورًا محوريًا في برنامج «أرتيميس» التابع لوكالة ناسا، الذي يهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر، وتشارك الشركة كمقاول رئيسي في بعض مراحل البرنامج، لا سيما تطوير مركبات الهبوط القمرية.
ومن المقرر أن تنطلق مهمة «أرتيميس 2» في مارس المقبل، في رحلة مأهولة تدور حول القمر قبل العودة إلى الأرض، على أن تمهّد الطريق لهبوط بشري جديد على سطح القمر بحلول عام 2028، ويُنظر إلى هذه المهمات باعتبارها خطوة أساسية في بناء بنية تحتية قمرية قد تدعم لاحقًا أفكارًا أكثر طموحًا، مثل تلك التي يطرحها ماسك.
وبينما لا تزال الكثير من تفاصيل «المدينة القمرية» غير واضحة، فإن التحول في خطاب سبيس إكس يعكس مقاربة أكثر براغماتية، تعتمد على أهداف مرحلية قابلة للتحقق، بدل القفز مباشرة إلى مشاريع بعيدة المدى، ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المرة ستشهد التزامات زمنية أقرب إلى الواقع، أم أنها ستنضم إلى قائمة الوعود الفضائية المؤجلة.