مبين
منذ الأيام الأولى لانتهاء معرض الكتاب هذا العام، لفت انتباهى تعدد المقالات التى تناولت سلبيات المعرض، وهو ما لم يحدث بنفس الكثافة فى الدورات السابقة. وهذا يجعلنا نتساءل؛ هل جاءت هذه الملاحظات لتحسين الحدث، أم للتعبير عن وجهة نظر شخصية، أو تصفية حسابات؟. أنا لا أنكر أننى أغادر معرض الكتاب كل عام وأنا أكثر اقتناعاً بأن قيمته الحقيقية لا تكمن فى كونه فوق النقد، بل فى قدرته على استيعابه. لكن النقد نفسه يحتاج إلى مساءلة صحيحة النية؛ هل نكتبه من أجل تطوير المعرض؟ أم من أجل أنفسنا؟
بداية؛ علينا الاعتراف بأن تقييم حدث بهذا الحجم لا يمكن اختزاله فى مقال، ولا يمكن التعامل معه بعقلية الأبيض والأسود. فنحن أمام كيان ثقافى ضخم، قد يحمل نجاحاته وإخفاقاته فى آن واحد. فالنقد واجب، لا ترف فيه؛ لكن ليكن هذا النقد لجانب ملموس ومهم فى الحدث، وليس عن المعرض كمشروع متكامل.
صحيح؛ أننا لن نستطيع تغافل الإشكاليات الكبيرة التى خصت مجالى النشر والتأليف معاً فى المعرض هذا العام؛ حيث عاش كثير من الناشرين فى هذه الدورة واقعاً متشابكاً؛ بعدما تكبدت دور نشر عديدة خسائر حقيقية، نتيجة الارتفاع الكبير فى أسعار حجز الأجنحة، لا سيما الأجنحة المميزة التى دفعت فيها مبالغ مضاعفة على أمل تعويضها بمبيعات أعلى، فإذا بالنتيجة خسارة أكبر فى ظل تراجع القوة الشرائية، التى لمسها الجميع.
وما يثير الحيرة هو الإصرار المتكرر على هذا النموذج، حيث تحجز بعض الدور مساحات أكبر من حاجتها الفعلية؛ فقط من أجل الظهو، رغم علمها المسبق باحتمالية الخسارة، والأكثر إرباكاً؛ أن فكرة «الأجنحة المميزة» تمنح من الهيئة العامة للكتاب خارج منطق القرعة وبأسعار أعلى، بما يهدم مبدأ العدالة من أساسه. فالعدالة الحقيقية تعنى أن تخضع جميع الدور للقرعة بلا استثناء، وألا يحتكر موقع بعينه لجهة بعينها لسنوات متتالية لمجرد قدرتها على الدفع.
وفى السياق نفسه؛ لا يمكن تجاهل معاناة بعض المؤلفين داخل منظومة النشر. أكتب هذا بدافع المسئولية لا الخصومة، وبنية التحذير لا التشهير. فالصمت عن ممارسات احتيالية معروفة يمنحها شرعية زائفة، ويترك المؤلفين الجدد فريسة سهلة لتكرارها. وقد تم رصد عدد كبير من الحالات المتشابهة التى كشفت نمطاً واحداً من الإضرار بالمؤلفين مادياً ومعنوياً.
ومع كل ذلك؛ لا يمكن لأى كاتب معتدل أن يتجاهل أن معرض الكتاب نجح فى تكريس نفسه كـعيد للقراءة. فحين تتجول بين الأجنحة فى المعرض، سيكون من الصعب تجاهل الحضور الجماهيرى الكثيف ما يؤكد أن المعرض- رغم بعض التحفظات- عيد سنوى للكتاب، وهذا النجاح الجماهيرى ليس تفصيلاً بسيطاً، ولا يجوز القفز عليه أو التقليل من قيمته. لكن المشكلة الحقيقية، تتجسد حين يتحول هذا الزخم فى الحضور إلى منطقة راحة والاعتماد عليه فى أن المعرض ناجح نجاحاً لا يقبل المراجعة.
أنا شخصياً كنت آمل من المعرض هذا العام أن أجد فيه ندوات تربك المسلمات والمألوف وتتضمن سجالات حقيقية واختلافاً لا يخشى الصدام والجدل.. ولكننى لم أجدها. فبما أن المعرض يمثل واجهة الثقافة فى مصر الآن، فعلينا أن نقول إن هذه الواجهة كانت تحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة.