رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الموقف الاجتماعي والديني لليهود والمؤمنين في حادثة تحويل القبلة

بوابة الوفد الإلكترونية

تتجلى أهمية تحويل القبلة في كونها وحدةً شعورية ورمزية للمسلمين، حسمت الجدل مع المشككين وأكدت طاعة المؤمنين المطلقة للوحي، ولقد ربطت الحادثة بين قدسية المسجد الأقصى وعراقة الكعبة المشرفة، مكرسةً مفهوم الوسطية والوحدة التي تجمع الأمة تحت لواء قبلة واحدة، وإله واحد.

الموقف الاجتماعي والديني في حادثة تحويل القبلة

كان هناك ردود الفعل المتباينة عندما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية بيت المقدس الى الكعبة المشرفة:

١- موقف اليهود والمنافقين: أثاروا الشكوك قائلين: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]، زاعمين أن النبي صلى الله عليه وسلم تائه بين الأديان، فرد القرآن عليهم بأن المشرق والمغرب لله وحده.

حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ، وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ محمدٌ على دينِه، فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى قولِه: ﴿وَإِن كَانَتۡ لَكَبِیرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها.[الطبري، جامع البيان،٢/٦٤٠].

لما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]  أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]   أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ ‌فَثَمَّ ‌وَجۡهُ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: ١١٥]. [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٥].

٢- موقف المؤمنين: كان شعارهم "سمعنا وأطعنا"، مؤكدين أن الوحي هو المصدر الوحيد للتشريع. وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه {وَأَطَعْنَا}. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.[الطبري، جامع البيان، ٥/١٥١]

ويؤكد ذلك ما ورد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب -: «إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ».[احمد، (٢٥٠٢٩)].


وسطية الأمة المحمدية في حادثة تحويل القبلة

ارتبط تحويل القبلة بوصف الأمة بالوسطية حيث يقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ ‌أُمَّةࣰ ‌وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]   : "إنما حَوّلناكم إلى قِبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأُمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأُمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل"، والوسط ههنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأُمة وسطًا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأصح المذاهب.[ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٨]

عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه رجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأُمته. فيُدعى محمد وأُمته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرُّسل قد بلّغوا، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلًا، {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}».[احمد (١١٥٥٨)]

وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا وأُمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس إلا ودّ أنه مِنّا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل». [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٩].