خارج السرب
ثمة أحداث تفرض على القلم أن يخط بمداده سطوراً بل صفحات عديدة تسرد وقائعها الفريدة، ولا شك فى أن أحد هذه الأحداث يتعلق بانتخابات الوفد التى جرت منذ أيام قليلة فى ظل أجواء ديمقراطية نزيهة لاختيار رئيس جديد يقود مسيرة الوفد السياسية.
انتهت الانتخابات بفوز الدكتور السيد البدوى فى مشهد حضارى فريد يدل على عراقة الوفد ونزاهته فى ممارسة حقوقه الانتخابية، وذلك المشهد هو فصل فى قصة تعتبر من أعظم قصص العمل السياسى فى مصر وأعظمها على الإطلاق، هى قصة كفاح مصرى سياسى عمرها يتجاوز قرناً من الزمان وتحديداً فى عام 1918 من القرن المنصرم، حيث كان زعيم مصر آنذاك سعد زغلول فى خضم ملحمة سياسية تتحاكاها الأجيال حيث كان يقود مصر آنذاك للتحرر من نير الاستعمار والحصول على الاستقلال ضد الاحتلال الإنجليزى.
وقد جاءت فكرة تأسيس الوفد عندما قرر سعد زغلول تشكيل وفد مصرى للسفر إلى لندن للتفاوض مع الحكومة البريطانية المحتلة من رجالات السياسة المرموقين؛ عبدالعزيز فهمى وعلى شعراوى وأحمد لطفى السيد وآخرين، وأطلقوا على أنفسهم اسم «الوفد المصرى» للتفاوض مع الاحتلال كى تتحرر مصر وأن يكون مصيرها ومقدراتها بيد أبنائها لا بيد احتلال مغتصب يضع يده على ثروات البلاد ورقاب العباد، فكان لا بد من هبَّة وكان سعد زغلول ورجاله آنذاك هم أقدر من يهبِّون لنيل مستقبل مشرق تكون فيه مصر محررة مستقلة، واضعين نواة حزب الوفد آنذاك.
اعتُقل بعدها سعد زغلول ونُفى إلى مالطا هو ومجموعة من رفاقه فى 8 مارس 1919 م فانفجرت ثورة 1919 فى مصر، التى كانت من أقوى عوامل زعامة سعد زغلول والتمكين لحزب الوفد، وبقى الوفد الذى هو حزب الأغلبية، يتولى الوزارة معظم الوقت فى مصر ومن شخصيات حزب الوفد الذين تولوا رئاسة الوزراء فى تلك الفترة ذات الزخم السياسى بالإضافة للزعيم خالد الذكر سعد زغلول: عبدالخالق ثروت، ومصطفى النحاس الذى تولى مرات عديدة رئاسة الوزارة قبل قيام ثورة يوليو 1952 التى حلت الأحزاب السياسية.
كانت تلك الفترة بمثابة «جمود إجبارى» فرضته الأحداث آنذاك ولم تشمل حزب الوفد فقط بل جميع الأحزاب السياسية، ولم يعد حزب الوفد إلى نشاطه السياسى إلا فى عهد الرئيس أنور السادات، بعد سماحه للتعددية الحزبية، وقد اتخذ الوفد لنفسه اسم حزب الوفد الجديد سنة 1978م بعد طلب فؤاد باشا سراج الدين فى يناير 1978 السماح لحزب الوفد بممارسة العمل الحزبى العلنى إلا أن استمرار المناوشات الحكومية ضده، والتحذير من أنه سوف يضر بالتجربة الحزبية الجديدة، دفعت قادة حزب الوفد إلى إعلان تجميد الحزب طواعية، منعاً للصدام مع السلطة مع حدوث العديد من المناوشات السياسية والمضايقات لقادة الوفد، انتهت باعتقال «فؤاد سراج الدين»، رئيس حزب الوفد الجديد، ضمن أحداث سبتمبر 1981.
وبعد اغتيال السادات وتولى الرئيس الأسبق حسنى مبارك رئاسة مصر بدأت صفحة سياسية جديدة تسع جميع الأطياف السياسية وتم إعلان عودة حزب الوفد إلى العمل السياسى بعد قرار محكمة القضاء الإدارى بالحكم بشرعية عودة الوفد، ليعود إلى ممارسة نشاطه السياسى رسمياً فى عام 1984 برئاسة فؤاد باشا سراج الدين ليتقلد دوره المنوط فى إثراء الحياة السياسية المصرية وليظل حجر الزاوية فى بناء مصر المستقبل. وقد تعاقب على رئاسة حزب الوفد قامات شامخة ليترك كل منهم بصمة واضحة فى مسيرة سياسية كانت مثالاً للكفاح فى ظل تنامى التحديات السياسية فى زمن العولمة وتطور معطيات وسبل ممارسة العمل السياسى فى عصرنا الحالى.
واليوم إذ تعهد رئاسة الحزب للدكتور السيد البدوى قائداً جديداً تنضوى تحت لوائه المسيرة الوفدية نحو دور أكثر بروزاً على الساحة السياسية المصرية فى ظل وجود تحديات شتى داخلية وخارجية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية تواجه بناء مصر الحديثة، يظل الوفد حجر الزاوية فى المشهد السياسى المصرى بوصفه أعرق حزب سياسى ما بين الماضى الزاخر بالحراك السياسى والمستقبل المأمول.
واليوم يظل وفد الحاضر بين يدى قائده الجديد ليكتب صفحة مشرفة فى سجل السياسة المصرية المضيئة ليظل منبر الوفد السياسى راسخاً عريقاً كما كان منذ لحظة تأسيسه 1918 فيما يتجاوز قرناً من العمل السياسى المزهر رافعاً شعاره عالياً فى سماء السياسة المصرية: «الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة» لتظل مصر المستقبل هى الغاية والهدف الأسمى فى عقيدة كل الوفديين فى الماضى والحاضر والمستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض