رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما نفتح الخريطة العربية اليوم، لا نحتاج إلى محللٍ استراتيجي كي نفهم حجم الخراب؛ تكفي الذاكرة. الذاكرة وحدها كافية لتجعلنا نتوقف طويلًا أمام ما قاله وكتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل قبل أكثر من عقد، لا بوصفه نبوءة غيبية، بل قراءةً باردةً لمشهدٍ كان يتجه – بكامل وعيه – نحو تصفية ذاته.
هيكل لم يكن «يتوقع»، بل كان يرى. وكان يرى لأن لديه ما فقدته قطاعات واسعة من الصحافة العربية: المنهج، والشجاعة، والاستقلال عن المزاج العام.
المأساة ليست فيما جرى فقط، بل في أن ما جرى كان مكتوبًا ومشروحًا ومحذَّرًا منه، ثم دُفن حيًّا تحت ركام الشعارات والخطابات التعبوية وصحافة المناسبات، وضجيج العناوين التي لا ترى أبعد من موعد الطبع.
حين تولّت حركة «حماس» إدارة قطاع غزة، لم يكن السؤال الجوهري: من يحكم؟ بل: في أي لحظة تاريخية يحدث ذلك؟ وتحت أي ميزان قوى؟ وداخل أي نظام دولي مختل؟
هذه الأسئلة تحديدًا هي ما طرحه هيكل، وهي نفسها ما تجاهلته الصحافة العربية؛ لأنها لا تحب الأسئلة التي تُفسد الحماسة، ولا تحتمل التحليل الذي يجرّد «اللحظة الثورية» من رومانسيتها الزائفة.
قال هيكل بوضوح: إنك أمام معادلة شبه مستحيلة. بينما قالت صحافة اللحظة: أنت أمام نصر.
والفارق بين الجملتين هو الفارق بين العقل والهتاف.
الصحافة العربية – إلا من رحم ربك – لم تكن يومًا في صف التحليل بقدر ما كانت في صف الاصطفاف. لا تُحلل الحدث، بل تصطف خلفه. لا تسأل عن النتائج، بل تكتفي بترديد النوايا. ومن هنا يبدأ الخراب.
حين تُقصى الأقلام التي ترى ما وراء اللحظة، وتُحاصر الأصوات التي تتحدث عن ميزان القوى، ويُتَّهَم كل تفكير عقلاني بالخيانة أو التخاذل، فأنت لا تبني مقاومة، بل تمهِّد لتصفيتها.
وهذا بالضبط ما حدث.
إسرائيل لم تكن عبقرية، ولم تكن خارقة. كانت فقط تقرأ المشهد ببرود، وتستغل فراغ العقل العربي. أدركت أن المشروع الأمريكي متعثر، وأن واشنطن تتحرك بالمزاج لا بالخطة، وأن العالم بعد 11 سبتمبر يعيش حالة ارتباك استراتيجي. وفي مثل هذه الفوضى تُصفّى الجيوب واحدًا تلو الآخر.
حزب الله، وحماس، وكل بؤرة مقاومة خارج «النظام العالمي المنضبط»، كانت أهدافًا مؤجَّلة لا أكثر.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا: أين كانت الصحافة العربية؟
كانت مشغولة بتلميع اللحظة لا بتشريحها، وبتقديس القرار لا بفهم تبعاته، وبتخوين العقل لا بمساءلة الواقع.
لم يكن هيكل محبوبًا لأنه محايد، بل لأنه كان مُزعجًا. والصحافة العربية اليوم لا تريد الإزعاج، بل تريد الرضا والقبول والاستمرار داخل القطيع.
لهذا أُقصيت الأقلام التي تعلّمت من مدرسة هيكل، لا لأنها تفتقر إلى الموهبة، بل لأنها تمتلك ما هو أخطر: الرؤية.
الرؤية التي تقول إن النية لا تكفي، وإن الشجاعة وحدها لا تصنع سياسة، وإن المقاومة بلا حسابات تتحول من فعل تحرر إلى مادة خام في مشروع الخصم.
اليوم، ونحن نعدّ خرائط ممزقة، لا نحتاج إلى تمجيد الماضي بقدر ما نحتاج إلى الاعتراف بالجريمة: جريمة إقصاء العقل من الصحافة، وتحويل المنابر إلى أبواق، وتجفيف منابع التحليل الاستراتيجي لصالح الانفعال.
رحل هيكل، لكنه لم يترك مجرد أرشيف، بل ترك طريقة تفكير. ومن خانوا هذه الطريقة هم أنفسهم من يكتبون اليوم عن «المفاجأة» و«الصدمة» و«ما لم يكن في الحسبان».
كل شيء كان في الحسبان… إلا عند صحافة قررت أن تعيش بلا ذاكرة وبلا عقل!

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.