المحافظات تحت ﻫﻴﻤﻨﺔ »اﻟﻜﻼب« المسعورة
الدقهلية بين تفشى الظاهرة وصراع الحلول.. والأطفال فى مرمى الخطر
الإسكندرية محاصرة.. والسُّعار يهدد الجميع
مشروع تجميع الكلاب يصطدم برفض جمعيات الرفق بالحيوان
جمصة نموذج للحل.. لكنه مؤجل التنفيذ!
خبراء: استمرار الأزمة دون حلول ينذر بنتائج كارثية
أزمة تتفاقم وخسائر تتزايد، هكذا أصبح الوضع فى قرى ومراكز المحافظات بعد أن تحولت إلى مناطق خوف مفتوحة بعد الانتشار غير المسبوق للكلاب الضالة، وتكرار حوادث العقر التى طالت مواطنين من مختلف الأعمار، خاصة الأطفال، ومع تضاعف أعداد الكلاب خلال السنوات الأخيرة، بات الخطر يطارد الأهالى أمام منازلهم وفى طريق أبنائهم إلى المدارس، وسط تحذيرات طبية من تهديدات صحية جسيمة على رأسها مرض السعار القاتل.
تصاعد الظاهرة بشكل مقلق، مع تسجيل حالات عقر متكررة بين الأطفال، جعلت شوارع القرى بؤر خوف دائمة للأهالى، وبين مطالب شعبية عاجلة بحماية الصغار وكبار السن، ومحاولات رسمية للبحث عن حلول علمية وإنسانية، نشأ صدام واضح بين الجهات التنفيذية وجمعيات الرفق بالحيوان، ما عطّل تنفيذ مشروعات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة.
لم تعد أزمة انتشار الكلاب الضالة مجرد إزعاج بصرى بل أصبحت تهديدًا مباشرًا للأمن والسلامة العامة، ورغم بعض الإجراءات المتفرقة، لا تزال المحافظات تبحث عن خطة واضحة تعيد إليها هيبتها وتحمى مواطنيها من خطر يتسع يومًا بعد يوم.
فى محافظة الفيوم أصبحت الكلاب الضالة مصدرًا للذعر بين الأهالى بعد تكرار حوادث عقر الكلاب للمواطنين بعدد من مدن وقرى المحافظة، وتحولت كلاب الشوارع إلى قنابل موقوتة تهدد حياة المواطنين وخاصة الأطفال بعد زيادة أعداد الكلاب بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
فى البداية يقول الدكتور أسامة مخلوف، نقيب الأطباء البيطريين السابق بالفيوم، إن زيادة أعداد الكلاب الضالة دون وضع الحلول المناسبة سوف يتسبب بنتائج كارثية، وهو ما يترتب عليه عدة مخاطر على الصحة والأمان العام، فالكلاب من أكبر ناقلات داء السعار وهو مرض قاتل بنسبة 100% لو ظهرت أعراضه، وأى زيادة فى الأعداد يعنى زيادة فى حالات عض الكلب للإنسان وحالات الاشتباه فى السعار، وهو ما يعنى استهلاك الأمصال بشكل متزايد، وفى مرحلة معينة تصبح الأمصال غير كافية بالمستشفيات، وهو ما يؤثر على معدل الوفيات التى يمكن إنقاذها فى حال وجود تلك الأمصال، وبخلاف مرض السعار هناك ديدان وجرب وبراغيث وقراد وبكتيريا من الممكن أن تنتقل للأطفال مباشرة من الشارع إلى المنزل، وتسبب التكسوبلازما وبعض أنواع البكتيريا التى تسبب الحمى والمشاكل الجلدية.
وأضاف خميس سليم أحد الأهالى، أنه مع زيادة أعداد الكلاب تحولت إلى قطعان فى الشوارع، وأصبحت أكثر عدوانية والهجوم تغير من حالة فردية إلى هجوم جماعى على المارة، وهو ما تسبب فى منع الأطفال من الخروج إلى الشارع سواء فى الذهاب إلى مدارسهم أو خلال اللعب مع بعضهم البعض، وأصبحت أحياء كاملة تحت الحصار وخاصة كبار السن منهم.
ولفت إلى أن المشكلة تتمثل حاليًا فى أن زيادة أعداد الكلاب تواجهه قلة فى الطعام الذى يحصلون عليه، فتحولت إلى أكل القطط والطيور وهو ما يؤدى إلى الاختلال فى التوازن البيئى، وكذلك النبش فى تجمعات القمامة وتمزيق الأكياس وسط الشوارع وهو ما يؤدى إلى تكاثر الحشرات والتلوث وانتشار الروائح الكريهة بالشوارع والميادين.
ويشير إلى أن علاج عضّات الكلاب من أمصال وطوارئ بالمستشفيات يتسبب فى خسائر بالمليارات، نحن أحوج ما نكون إليها فى علاج أمراض السرطان والأمراض المزمنة، بالإضافة إلى خسائر سياحية بسبب تشويه المظهر الحضارى للمدن.
ارتفاع حالات الإصابة بالعقر بين الأطفال
وتعتبر مشكلة الكلاب الضالة فى محافظة الدقهلية إحدى أبرز المشاكل التى ظهرت على السطح فى الفترة الأخيرة مع زيادة أعداد المصابين بالعقر من الكلاب خاصة الأطفال، وإزاء هذه المشكلة الخطيرة ارتفعت مطالب المواطنين بضرورة البحث عن حلول عملية للتعامل مع هذه المشكلة التى تهدد الأطفال وكبار السن بوجه خاص.
وقررت محافظة الدقهلية تخصيص قطعة أرض فضاء فى مدينة جمصة لتجميع الكلاب الضالة بها تمهيدًا لتعميم المشروع فى كافة مدن وقرى المحافظة، إلا أن الفكرة وجدت رفضًا قاطعًا من جمعيات الرفق بالحيوان التى اعتبرت ذلك تقييدًا لحرية الكلاب الضالة وهو ما تسبب فى إرجاء تنفيذ المشروع والاكتفاء بتطعيم الكلاب الضالة وتحصينها فى قطعة الأرض ثم إطلاق سراحها.
فى الفترة الأخيرة شهدت قريتا أشمون الرمان وميت السودان بدكرنس، حوادث عقر من كلاب مسعورة لـ4 أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 -13 عامًا من بينهم طفل وطفلة تم عقرهما فى وجههما وهو ما يمثل خطورة بالغة، وتم نقل الأطفال للمستشفيات وتتم متابعة حالتهما الصحية ومن المقرر إجراء جراحات تجميلية لهما بعد تشوه وجهى الطفلين، وقد تسببت هذه الحوادث فى حالة من الذعر بين الأهالى وطالبوا بسرعة التعامل مع الكلاب خاصة المسعورة حرصًا على حياة الأطفال.
ومع تصاعد ظاهرة الكلاب الضالة، تم إنشاء مركز لإيواء الكلاب الحرة بمدينة جمصة، كأحد الحلول العلمية والإنسانية للتعامل مع هذه المشكلة التى تؤرق الشارع الدقهلاوى، ويقع المركز بمدينة جمصة على قطعة أرض مخصصة لهذا الغرض خارج الكتلة السكنية، بما يضمن عدم إزعاج المواطنين، ويتيح فى الوقت نفسه توفير بيئة مناسبة لرعاية الحيوانات، حيث تم تجهيز الموقع وفق الاشتراطات البيطرية والصحية.
ويُدار المركز تحت إشراف مديرية الطب البيطرى بمحافظة الدقهلية، بالتنسيق مع الجهات المعنية، ويقدم عددًا من الخدمات البيطرية المتكاملة، تشمل استقبال الكلاب الحرة ونقلها بطرق آمنة، توقيع الكشف الطبى عليها، تقديم التطعيمات والرعاية الصحية اللازمة، توفير التغذية المناسبة وأماكن الإيواء الآمنة.
ويستهدف المركز الحد من مخاطر الكلاب الضالة، خاصة ما يتعلق بحوادث العقر وانتقال الأمراض، وعلى رأسها مرض السعار، إلى جانب إنهاء الأساليب العشوائية وغير الإنسانية فى التعامل مع الكلاب بالشوارع، واستبدالها بحلول علمية تتماشى مع المعايير البيئية والصحية.
وأكدت الجهات المعنية أن مركز جمصة يمثل خطوة مهمة ضمن خطة متكاملة للتعامل مع ظاهرة الكلاب الحرة، وتعتمد على الإيواء والرعاية والتطعيم، بالتوازى مع التوعية المجتمعية، مشيرة إلى أن نجاح التجربة يتطلب الاستمرارية وتوفير الدعم اللازم لضمان تحقيق الأهداف المرجوة، وللأسف الشديد فقد اعترضت جمعيات الرفق بالحيوان على إقامة هذه الأرض واعتبرت هذه الجمعيات هذا المشروع تقييدًا لحرية الكلاب فى التنقل مما حدا بالجهات المختصة الاكتفاء بشكل مبدئى بتجميع الكلاب الضالة فى قطعة الأرض وتطعيمها وتحصينها ضد مرض السعار ثم إعادة إطلاق سراحها مرة أخرى، واعتبر مواطنون أن هذا الإجراء لا يحل مشاكل انتشار الكلاب الضالة التى تهدد الأطفال وكبار السن بشكل مخيف فى الفترة الأخيرة.
من جهة أخرى كشف الدكتور أحمد السباعى، وكيل وزارة الطب البيطرى بالدقهلية فى تصريح لـ«الوفد»، أن المشروع الذى تقوم به محافظة الدقهلية لتجميع الكلاب التى ليس لها مأوى فى موقع مخصص لهذا الغرض بمدينة جمصة هدفه إجراء عمليات التعقيم والتحصين للكلاب ثم رعايتها وإطلاقها.
وأضاف السباعى، أن عملية التحصين التى تجرى للكلاب تهدف إلى أن تكون الكلاب آمنة ضد مرض السعار، لافتًا إلى أن مديرية الطب البيطرى تقوم بحملات مستمرة بالتعاون مع مجالس المدن والوحدات المحلية لتحصين الكلاب ضد مرض السعار.
وقال وكيل وزارة الطب البيطرى، إنه تتم مخاطبة الوحدات المحلية بشكل مستمر لرفع القمامة أولاً بأول بشكل مستمر، لأن وجود القمامة أحد الأسباب الرئيسية لتجمع الكلاب الضالة، لافتًا إلى ضرورة وجود توعية لدى المواطنين لعدم تقديم الطعام للكلاب بالقرب من المنازل خاصة بأن هذا الأسلوب يتسبب فى تغيير طبيعة الكلاب وتحولها لوضع «شرس» فى حالة توجهها إلى نفس المكان الذى تحصل منه على الطعام وعدم الحصول عليه.
وبين أن الهدف من عمليات التعقيم للكلاب هى الحد من تكاثرها ومع الوقت يؤدى ذلك إلى الحد من زيادة أعدادها، مبينًا بأن حوالى 90% من حالات التعرض للعقر من الكلاب يتم شفاؤها بعد غسيل المنطقة المصابة بالمياه والصابون بعد التعرض للعقر.
داخل أحياء وشوارع المدينة السياحية الإسكندرية انتشرت ظاهرة الكلاب الضالة والقطط بشكل كبير، خاصة أحياء العامرية والعجمى والرمل والعوايد والمنتزه، إلى جانب مناطق أخرى ذات كثافة سكانية مرتفعة، ولم يعد هذا الانتشار مجرد مشهد يومى معتاد، بل تحول إلى مصدر دائم للذعر والخوف، وتهديد مباشر لأمن وسلامة الأهالى، فى ظل تكرار وقائع الهجوم والعقر، لا سيما للأطفال والسيدات وكبار السن، وما يصاحب ذلك من مخاوف الإصابة بمرض السعار.
ورغم الجهود المتفرقة التى تبذلها بعض الجهات المعنية، لا تزال الأزمة قائمة بل وتتوسع فى بعض المناطق، فى ظل غياب خطة واضحة وشاملة تراعى الجوانب الصحية والإنسانية، وفى الوقت نفسه تحافظ على سلامة المواطنين، حيث سجلت الإسكندرية حالات إصابة جماعية، كان أبرزها واقعة عقر كلب ضال لـ12 شخصًا، من بينهم أطفال، بمنطقة بيانكى فى أغسطس 2025، فضلًا عن شكاوى متزايدة من مناطق مثل سيدى بشر، الأمر الذى دفع المحافظة لاتخاذ بعض الإجراءات الحازمة، من بينها منع اصطحاب الكلاب فى المواصلات العامة.
وقالت نجلاء مصطفى، أحد أهالى الإسكندرية، إن أهالى منطقة السيوف يعانون بشدة من انتشار الكلاب الضالة التى تملأ الشوارع وتتسبب فى حالة رعب للأطفال والكبار على حد سواء، لافتة إلى أنه منذ يومين فقط تعرض رجل مسن لهجوم كلب ضال أثناء توجهه لأداء صلاة الفجر، حيث تم عقره أمام أعين المارة، ولم يتمكن أحد من إنقاذه بسبب حالة الخوف التى سيطرت على المواطنين.
وأوضحت أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل يتم رصد تجمعات للكلاب فوق أسطح السيارات وأمام المدارس، بما يهدد حياة الطلاب، مشيرة إلى واقعة مؤلمة تعرض خلالها أحد الطلاب، أثناء جريه للحاق بطابور الصباح، لهجوم مفاجئ من كلب ضال، قام بعقره فى وجهه أمام الجميع، ورغم محاولات إنقاذه، إلا أنه أُصيب وتم نقله على الفور إلى المستشفى لتلقى العلاج.
وقال أحمد سامح، موظف، إن المشكلة وصلت إلى حد غير مسبوق، مؤكدًا أن محيط مبنى ديوان عام محافظة الإسكندرية شهد خلال الأيام الأخيرة تزايدًا ملحوظًا فى أعداد الكلاب الضالة، الأمر الذى أثار حالة من القلق بين المواطنين والموظفين المترددين على المبنى، خاصة مع تكرار تجمعها فى الساحات والمداخل الرئيسية.
وأضاف أن انتشار الكلاب امتد كذلك إلى الطريق الزراعى حتى أول حدود محافظة البحيرة، ما تسبب فى حالة من الإزعاج والخطورة المحتملة، لا سيما فى فترات الصباح الباكر والمساء، حيث تعوق حركة المرور وتثير الخوف، خصوصًا بين كبار السن والسيدات والأطفال.
وأشار عدد من موظفى الديوان إلى أن وجود الكلاب بكثافة أمام المبنى الحكومى قد يؤدى إلى وقوع إصابات أو حوادث مفاجئة، مطالبين الجهات المعنية بسرعة التدخل ووضع حلول عاجلة للحد من الظاهرة، حفاظًا على سلامة المواطنين والمظهر الحضارى للمدينة.
وقال عادل محمود، موظف، إن منطقة البيطاش بحى العجمى شهدت واقعة مؤسفة بعد هجوم كلب مسعور على أكثر من 4 أشخاص، من بينهم عامل دليفرى، أثناء سيرهم على الأقدام. وأضاف أن الكلب خرج فجأة من أسفل إحدى السيارات المركونة وهاجم المارة، متسببًا فى حالة ذعر شديدة.
وأوضح أنه فوجئ بهجوم الكلب عليه وعقره فى قدمه وطرحه أرضًا، فى واقعة لا ينساها، مشيرًا إلى أنه أصبح يسير فى الشوارع بحذر شديد خوفًا من التعرض لهجوم جديد، مؤكدًا أنه توجه إلى المستشفى لتلقى التطعيمات اللازمة.
وقال سعيد محمد، عامل، إن منطقة الحضرة الجديدة شهدت واقعة خطيرة بعد قيام 4 كلاب ضالة بعقر نحو 30 طفلًا أمام منازلهم، تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عامًا. وأكد عدد من سكان المنطقة أن الكلاب الضالة حولت الشوارع إلى أماكن غير آمنة، خاصة بعد إصابة بعضها بالسعار، وتحولها من كلاب أليفة إلى كلاب مسعورة هاجمت الأطفال أثناء لهوهم، متسببة فى إصابات بالغة وجروح غائرة، وتم نقل المصابين إلى المستشفيات لتلقى العلاج والأمصال المضادة.
وقال على إبراهيم، والد الطفل آدم، البالغ من العمر 7 سنوات، إن نجله كان من بين الأطفال الذين تعرضوا لعقر الكلاب، مؤكدًا أن ساعات رعب عاشها الأطفال والكبار بعد الهجوم. وأضاف أن جميع المصابين تقل أعمارهم عن 14 عامًا، وأن أغلبهم تتراوح أعمارهم بين 8 و9 سنوات، ما يعكس حجم المأساة.
ولفت شعبان السيد، عامل، إلى أنه تعرض لهجوم كلب ضال أثناء سيره فى أحد شوارع سيدى بشر بحى المنتزه أول، حيث هاجمه بشكل مفاجئ وعقره فى منطقة الفخذ. وأشار إلى أن الكلب لم يكتفِ بذلك، بل توجه لمهاجمة عدد من المارة، مؤكدًا أنه فوجئ داخل المستشفى بوجود عدد كبير من الحالات التى تعرضت للعقر.
كما قالت أسماء محمد، طالبة، إنها تعرضت للعقر من كلب ضال بمنطقة محرم بك، وتوجهت للمستشفى للحصول على التطعيم، لكنها لم تجد المصل إلا فى مستشفى رأس التين، ووصفت التجربة بالقاسية، مؤكدة أن أطفالها أصبحوا يعيشون فى حالة خوف دائم.
وقال وليد مصطفى، موظف من سكان سيدى بشر، إن أعداد الكلاب الضالة فى تزايد مستمر، مشيرًا إلى أن البعض يعاملها برفق بينما يتعامل آخرون معها بسوء، وهو ما يدفعها للهجوم على المواطنين، منتقدًا غياب أى تحرك جاد لإيجاد حل جذرى للأزمة.
وأشارت خيرية أحمد، موظفة، إن الإسكندرية مدينة ذات تاريخ ومكانة سياحية لا يليق بها هذا المشهد، مطالبة بتنسيق الجهود بين الجهات المعنية، وحماية الأطفال من خطر العقر.
فيما قال منعم السيد، أحد سكان غرب الإسكندرية، إن الكلاب الضالة تسيطر على الشوارع والطرق الجانبية، مسببة خطرًا وضوضاء ليلية، مطالبًا بالتعامل الحاسم مع الظاهرة، مؤكدًا أن حياة الإنسان يجب أن تكون أولوية.