لم تكن عودة الدفء إلى العلاقات بين القاهرة وأنقرة مجرد خبر دبلوماسي، بل كانت لحظة سياسية كاشفة تعكس قدراً معتبراً من النضج لدى قيادتى البلدين، سنوات القطيعة لم تكن سهلة والخلافات التى تراكمت بين العاصمتين بلغت حداً غير مسبوق من الحدة والتشابك، لكن السياسة حين تُدار بعقل الدولة تعرف كيف تعيد ترتيب الأولويات.
التحولات التى ضربت الإقليم خلال السنوات الأخيرة كانت كفيلة بتحكيم العقل وإنهاء القطيعة فوراً، شرق أوسط تتسع فيه بؤر النار، منظومات ردع تتآكل، وقوى إقليمية تحاول ملء الفراغ عبر مزيج من القوة الصلبة والنفوذ الناعم، فى هذا المناخ لم يعد استمرار القطيعة بين دولتين بحجم مصر وتركيا خياراً منطقياً، بل بات عبئاً سياسياً يخدم أطرافاً لا تريد للمنطقة استقراراً ولا توازناً، ومن هنا جاء قرار إعادة ضبط العلاقات كخطوة واقعية تضع المصالح العليا فوق حسابات الماضى وتفتح الباب لمرحلة مختلفة فى طبيعتها وأدواتها.
اللافت أن تجاوز سنوات الجفاء لم يستغرق زمناً طويلاً كما توقع كثيرون، فخلال نحو ستة عشر شهراً فقط انتقلت العلاقة من مربع الخلاف إلى مستوى متقدم من التنسيق والتفاهم، هذا التحول السريع لا يمكن تفسيره بالرغبة وحدها بل بإدراك مشترك بأن حجم التحديات يفرض العمل المشترك. الحديث لم يعد مقتصراً على عودة السفراء أو تبادل المجاملات، بل امتد إلى تعاون سياسى وأمنى واقتصادى يعكس قناعة بأن زمن المناكفات الثنائية قد انتهى.
وفى الخلفية كانت إسرائيل تتحرك لإعادة رسم خرائط النفوذ، مستفيدة من انقسامات الإقليم وضعف التنسيق بين قواه الكبرى، هنا تحديداً تتجلى أهمية التقارب المصرى التركى، فغياب التفاهم بين عاصمتين مؤثرتين يفتح الباب لمزيد من الاختلال ويمنح الآخرين مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض.
اقتصادياً تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فمصر وتركيا من أكبر اقتصادات المنطقة وتمتلكان قاعدة صناعية وبشرية قادرة على صنع فارق حقيقى إذا ما أُحسن توظيفها، والحديث عن رفع حجم التبادل التجارى من ثمانية مليارات دولار إلى خمسة عشر ملياراً ليس شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هدف قابل للتحقق إذا توافرت الإرادة وآليات التنفيذ، التكامل بين الموقع الجغرافى المصرى بخبرته فى إدارة الممرات والأسواق الأفريقية، وبين الصناعة التركية المتقدمة يمكن أن يصنع منصة تصديرية ذات وزن فى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، هنا تتحول السياسة إلى أرقام وتتحول المصافحة إلى عقود وفرص عمل واستثمارات.
أما سياسياً، فالتقارب يعكس مساحة متزايدة من التفاهم حول ملفات معقدة، من القضية الفلسطينية إلى الأزمة الليبية وأمن شرق المتوسط لا يعنى ذلك تطابقاً كاملاً فى الرؤى، فالدول الكبرى لا تتشابه فى كل شيء لكنها تتفق على إدارة خلافاتها دون أن تتحول إلى صدامات مفتوحة، وهذا بحد ذاته تطور مهم فى إقليم اعتاد أن تتحول فيه الخلافات إلى قطيعة، والقطيعة إلى صراع طويل الأمد.
المؤكد لنا أن المشهد الذى جمع الرئيس رجب طيب أردوغان بالرئيس عبد الفتاح السيسى فى القاهرة حمل رسائل تتجاوز الصورة البروتوكولية، فحين يتحدث الرئيس التركى من القاهرة عن دولة كبيرة تُدار بحكمة، فالأمر ليس مجاملة بل اعتراف بوزن الدولة المصرية ودورها، وفى المقابل ظل الخطاب المصرى ثابتاً على فكرة احترام الجميع والسعى إلى الاستقرار دون إهدار الوقت فى معارك جانبية، بين الرسالتين تتشكل أرضية مشتركة عنوانها الواقعية السياسية...
حفظ الله مصر جيشاً وشعباً وقيادة