لفت نظر
مع تواتر تأكيدات موثوقة باسناد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى فإن الأسئلة الجوهرية تكمن فى أسباب الإبقاء عليه؟ وكيف سيكون شكل تلك الحكومة وقدرتها على التحول بين المراحل والأهداف المطلوبة؟
بقاء الدكتور مصطفى مدبولى فى رئاسة الحكومة ليس مجرد قرار إدارى عابر أو خيار اضطرارى بسبب غياب البديل، بل يعكس حسابات سياسية واقتصادية دقيقة لدى صانع القرار فى الدولة المصرية. فالرجل، الذى يقود الحكومة منذ 2018، أصبح أحد أطول رؤساء الوزراء بقاءً فى المنصب خلال العقود الأخيرة، وهو ما يمنحه صفة «رئيس وزراء المرحلة الانتقالية الطويلة» التى شهدت أزمات متلاحقة من تعويم العملة إلى جائحة كورونا ثم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الدولار.
لكن المفارقة أن قرار الإبقاء عليه يأتى فى لحظة مختلفة تماما عن السنوات الماضية؛ لحظة تسعى فيها الدولة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة النمو.
فى السنوات السابقة، لعب مدبولى دور «مدير الطوارئ». كانت مهمته الأساسية احتواء الصدمات: تأمين السلع، ضبط الأسواق، تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالى. وخلال تلك المرحلة، نجح فى تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى قاس بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، وأشرف على شبكة طرق عملاقة، ومدن جديدة، ومشروعات إسكان، وتوسعات فى الطاقة والكهرباء. هذه الإنجازات جعلته رجل الدولة الموثوق إداريا لدى مؤسسة الحكم؛ فهو مهندس تكنوقراطى، قليل الصدام السياسى، سريع التنفيذ، ومنضبط مع توجهات الرئاسة.
هذه السمات تحديدا هى التى تفسر استمرار الثقة فيه. فالقيادة السياسية لا تبحث حاليا عن مغامر سياسى أو رئيس وزراء بخطاب شعبوى، بل عن شخص يعرف مفاتيح الدولة، ويمتلك خبرة التعامل مع الأجهزة، ويستطيع تنفيذ قرارات صعبة دون ضجيج.
ومع ذلك، فإن الإبقاء على مدبولى لا يعنى الرضا عن الأداء بالكامل. بل يمكن قراءته كـ«فرصة أخيرة لتغيير الأسلوب». لأن الدولة نفسها تغيرت أولوياتها.
فإذا كانت المرحلة الماضية عنوانها «البناء والإنفاق الرأسمالى الضخم»، فإن المرحلة الجديدة عنوانها «الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار». لم يعد المطلوب فقط إنشاء الطرق والمدن، بل ملء هذه المدن بالمصانع، وتشغيل الشباب، وزيادة الدولار الداخل، وتقليص دور الحكومة فى الاقتصاد لصالح القطاع الخاص.
وهنا تحديدا يكمن التحدى الأكبر أمام مدبولى.
أداء الحكومة خلال السنوات الماضية اتُّهم بالبيروقراطية الثقيلة، وضعف التواصل مع المستثمرين، وتغول الجهات الحكومية فى النشاط الاقتصادى. كما أن المواطن العادى لم يشعر دائمًا بعائد مباشر للمشروعات الكبرى فى ظل ارتفاع الأسعار والتضخم. هذه الفجوة بين الإنجاز على الأرض والإحساس الشعبى بالتحسن تحتاج إلى عقلية مختلفة.
«مدبولى» فى تشكيله الجديد مطالب بالتحول من «رئيس وزراء المشروعات» إلى «رئيس وزراء الاقتصاد الحقيقى». أى تقليل تدخل الدولة فى السوق، تسريع الخصخصة وطرح الشركات، إزالة العوائق أمام المستثمرين، وضبط الأسعار، وتخفيف الأعباء الضريبية، وتفعيل الحماية الاجتماعية بشكل أكثر كفاءة.
كما أن التواصل السياسى أصبح ضرورة لا رفاهية. فالمواطن لم يعد يكتفى بالأرقام، بل يريد تفسيراً ومصارحة. والحكومة بحاجة إلى خطاب يشرح القرارات الصعبة ويقنع الناس بها، لا أن يتركهم فريسة للشائعات والغضب.
يمكن القول إن بقاء مدبولى يعكس قاعدة بسيطة: الاستقرار أهم من المغامرة. لكن النجاح فى المرحلة المقبلة لن يتحقق بالاستقرار وحده، بل بتغيير العقلية والأدوات.
فالرهان الحقيقى ليس على اسم رئيس الوزراء، بل على قدرته على إعادة تعريف دور الحكومة نفسها: من دولة تنفق إلى دولة تنتج، ومن إدارة أزمة إلى صناعة فرصة.
وهذا هو الاختبار الأصعب لمدبولي… وربما الفرصة الأخيرة لإثبات أنه ليس فقط رجل المرحلة الصعبة، بل رجل الانطلاقة أيضا. بشرط إعادة إنتاج «مدبولى » جديد
لا يرتكز على ثقة القيادة السياسية ولكن على رضا شعبى من خلال وصول ثمار التنمية الحقيقية إلى المواطن وربما يكون اول تحد امام مدبولى هو حديثه عن الإعلان عن أكبر خفض للديون المصرية وبنسب كبيرة.. صحيح أنه لم يعقد المؤتمر الصحفى حتى الآن للإعلان عن هذا الانجاز العظيم مما أدى إلى التشكيك أو اعادة تفسير لمفهوم خفض الديون وربما يفاجئنا الدكتور مصطفى مدبولى بعد حلف اليمين بهذا الإعلان ويكون البداية لانطلاقة كبيرة للاقتصاد المصرى.. سنرى.